المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ذكراه لن ننساه: الذكرى الحادية عشر لإستشهاد البطل المهندس يحيى عيّاش


ابو مصعب
01-05-2008, 09:15 AM
في ذكراه لن ننساه: الذكرى الحادية عشر لإستشهاد البطل المهندس يحيى عيّاش

عياش.. حكاية متجددة


يا زهورَ الدم المتيَّم عشقًا والمتنفس صبحًا وشهادةً.. أَسرجي لفارسك القنديل بالرحيق.. واستقبلي إطلالته بألق الفجر الذي رحلَ عنه، وما اشتفى من تنسّمِ عبيره المضمّخ بتكبيراتِ الذاهبين إلى الميدان.


يا فيافي المراحلِ القاحلة.. أطلي على عهدِ عياش القسام.. اربطي جرحك بأحزمة التفجير.. دثريه بمراهم البارود ترصع سماء فلسطين بالنيازك.. وتتفتح من أكمامها أقمار بعمر الورد تنتظم في قلادةِ دريَّة تطوق جِيد الوطن؛ ليحفظ للاستشهاديين إرثَهم البهيَّ ولمهندسي عمليات العزِّ بيعتَهم الأولى..


أيها العيَّاش الذي ما فتئ يحيا في أعمار القادمين..

يا وجه ثورتنا المفعم بالشموخ..

يا صوت الثائرين يهتف للرجال المزنرين بدين الوفاء للراحلين..

أيها الممتد في دمنا مشاهد فخار تؤرق المحتلّ أينما حلّ..

أيها الواقف أبدًا على مشارف العزائم المتقدة.. تستمطر من سيرتك حافز الصعود، وتستلهم منها براعة التخطيط..

لكأنها غزة اليوم تعود لاحتضانِ أشلائك التي توسَّدْت ترابها الطهور قبل أحد عشر سنة، لكأنها تستعير عينيك النابضتين أملاً بالفجر لتطل بهما على زمن غدا للقسام فيه جيش ذو بأس ومنعة، تحرسه زنود آلاف الرجال ويرتقي به إصرار عشرات المهندسين يكملون من بعدك المسير..

لكأنه الرنتيسي يخرج من جديد ليردد ومعه جموع الغاضبين (عياش حيٌّ لا تقل عياش مات).

لكأنها رافات.. هذه القرية الوادعة التي حُفرت في ذاكرة الوجد الفلسطيني.. لكأنها بتلالها وسهولها وسكونها البديع تعود لتستقبل وفود التهنئة والبيعة، ويخرج صغارها الذين كبروا وفي قلوبهم حكايات العياش لينثروا الحنّون على أطراف حاكورة الدار التي ما زال سهاد الفراق يؤرق ليلها، فتسّاقط منها العبرات ندى يطرز أوراق السوسن والنعناع.

إحدى عشر سنة مضين يا أبا البراء، ولا زلت فارسَ المقاومة الأول ونجم المراحل كلها بلا منازع.. لا زال دمك يانعًا يُطارد القاتلين ومَن اغتالوا الصباح وأجهضوا استعار البنادق.. مضى عياش.. وعاش إرثه السامق، ظلَّ دمه يرشح في عروقِ الطالعين من شقوقِ الجرح ومساحات الوجع اليومي..

صار اسمه رايةً مصبوغةً بالكبرياء يتسابق الفدائيون لحملها.. يلوحون بها في مسيرة الزحف الأخضر السائر نحو الانتصار واثق الخطى محجَّل الجبين.. يُعلن أنَّ الفداء قدرُ المرابطين وأنَّ الدم زاد الطريق وبوابة المعراج صوب نهار الانعتاق.

ماضون نحن يا أبا البراء، فلن نكون يومًا من المتعثِّرين بأشواكِ الدرب أو المتساقطين حين يدهمنا ظمأ المسير الصعب.. فغاياتنا عالية.. ومرامينا بعيدة لا يقزِّمها التقادم ولا تنكِّسها المحن..

سلامٌ عليك..
على مَن قلَّدوك الحسامَ وسمَّوكَ يحيى..

ومن أرضعتك الإباءَ وعشقَ الشهادة..

فنهجك يحيا ويعلو..

ويسقط من دونه اليائسون..


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>

إحدى الصور النادرة جداً للمهندس وهو يمتشق سلاح من نوع جاليلو

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>

المهندس يحيى مع ولده البراء أثناء مطاردته في خانيونس بقطاع غزة
عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>
في أحد الأماكن التي آوته حيث التقى بوالدته



عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>
عيّاش المهندس، وقبلة حانية من والدته الصابرة



عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>

المهندس قبل المطاردة (الأول من اليسار)


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>
المهندس والبراء؛ وتنشئة على حب الجهاد والاستشهاد


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>

المهندس يحيى مع شقيقه.. الأول على اليمين

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>

رسالة خطها المهندس بيده لأهله الأحباب قبيل استشهاده
عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>

الصورة التي اشتهر بها المهندس في كل العالم

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>

الصورة التي كانت لا يخلو منها جيب احد الجنود الصهاينة أثناء مطاردته

naoufal
01-05-2008, 09:20 AM
منتدى المودة يشكرك على موضوعك يا ابو مصعب...

ابو مصعب
01-05-2008, 09:22 AM
مسيرة التاريخ ورحلة الحياة للبطل يحيى عياش

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a> (عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>)

1- أيام الصبا والطفولة

في يوم الأحد الموافق 6 آذار (مارس) من عام ،1966 زفت القابلة البشرى للشيخ عبد اللطيف ساطي محمود عياش بولادة ابنه البكر الذي أسماه يحيى تيمناً بنبي الله يحيى بن زكريا عليهما السلام. وتقول والدته: «كانت ولادته سهلة رغم أنه كان المولود البكر، إذ لم يكن هناك أي تعسر أو ألم أثناء ولادته لأنه ولد صغير الحجم. فقد كان وزنه عند ولادته كيلو غراماً ونصف فقط. وكل من رآه أثناء ولادته لم يكن يتصور بأن هذا الطفل سيعيش ويكبر ويصبح رجلاً.



وبين أزقة رافات، وفي كنف بيت متدين، عاش يحيى طفولة هادئة. ويؤكد شبان رافات وشيوخها اليوم أن يحيى كان مثالاً للطفل المؤدب الهادىء، حتى أن أحد أعمامه يقول «كان هادئاً أكثر من اللزوم، ولا يحب الاختلاط كثيراً بغيره من أطفال الحي، حتى أنني كنت أعده انطوائياً بعض الشيء»(9). وتضيف والدته: «كان يحيى طفلاً هادئاً جداً وخجولاً، ولم يكن يبكي كالأطفال الذين في مثل سنه، وهو في الرابعة من عمره ذهب مع الرجال يوم الجمعة إلى المسجد يصلي معهم ومن يومها بدأ يرتاد المسجد، وهو في هذه السن المبكرة، حفظ يحيى الكثير من سور القرآن القصيرة والآيات القرآنية التي كان يستمع إليها من المقرىء في المسجد».



ويتابع والده الحديث: «كان يحيى طفلاً صغيراً لم يتجاوز أربعة أعوام حين توجه إلي مراراً طالباً مني السماح له بمصاحبتي إلى المسجد لأداء الصلاة.. كان يلح بالطلب ويشدني من ملابسي لكي آخذه معي. ونظراً لإلحاحه، ورغبة مني في تلبية طلبه، وهو الابن البكر، فقد بدأت باصطحابه إلى المسجد القديم في القرية، وهو قريب من بيتنا. وكثيراً ما دهش الحضور وأبدوا استغرابهم من الطفل الصغير. وكانوا يقولون لي هذا صبي صغير، ولا يتقن الوضوء فكيف يتقن فرائض الصلاة وسننها؟».



ويؤكد أحد المصلين في مسجد القرية الصغير ما ذكره والدا يحيى فيقول: «يحيى كان من الشباب الذين داوموا على صلاة المسجد، وكان يحب أن يصلي في الصف الأول. وأذكره عندما كان يجلس في الجهة الغربية للمسجد ليقرأ القرآن».



كبر الطفل يحيى، ودخل المدرسة الابتدائية في قريته عند بلوغه السادسة من عمره، وبرز يحيى بذكائه الذي لفت إليه أنظار معلميه، إذ أنه لم يكن يكتفي بحفظ الدروس المقررة للصف الأول، بل كان يحفظ دروس الصف الثاني أيضاً. فقد كانت الصفوف في مدرسة القرية مجمعة بحيث تكون كل مرحلتين دراسيتين في غرفة واحدة نظراً لمحدودية عدد الغرف الدراسية في المدرسة. وعليه، التقطت إذنا يحيى المعلومات والدروس التي كان المعلم يشرحها للصف الثاني حتى أنه حفظ دروس القراءة في كتاب الصف الثاني من قراءة التلاميذ أمامه في الحصص. ويتحدث الشيخ عبد اللطيف عن ذكاء يحيى فيقول: «أيام المدرسة كان معروفاً بتفوقه في دراسته وخصوصاً في مادة الرياضيات لدرجة أنه كان متقدماً على صفه سنة وأحياناً سنتين في مادة الرياضيات».



ورافق التفوق يحيى منذ الصف الأول وحتى إنهائه المرحلة الثانوية وحصوله على شهادة (التوجيهي)، فقد نال المرتبة الأولى دائماً خلال دراسته لاثنتي عشرة سنة في رافات والزاوية وبديا. وكان يحيى قد انتقل إلى مدرسة الزاوية الإعدادية بعد إنهائه الصف السادس الابتدائي في مدرسة رافات نظراً لكون مدرسة قريته لا تستوعب أكثر من هذه المرحلة. ودرس يحيى المرحلة الإعدادية والأول ثانوي في مدرسة الزاوية، ثم انتقل بعد ذلك إلى قرية بديا حيث درس الثاني والثالث ثانوي (الفرع العلمي) في مدرسة بديا الثانوية، وحصل على شهادة الدراسة الثانوية بمعدل (92.8%).



وهنا نتوقف عند قصة نادرة حدثت مع يحيى أثناء دراسته في مدرسة رافات، إذ تقول والدته: «كان يحيى في الصف الثاني الابتدائي، وكان الصف الأول الابتدائي يدرس في نفس الغرفة. وحدث أن تجمع طلاب الصفين مرة داخل الغرفة وتدافعوا من غير قصد، فوقع أحد التلاميذ على زاوية الدرج وجرح رأسه. وعندما جاءت المعلمة وسألت: من فعل ذلك؟ فقال أحد التلاميذ رأساً: إنه يحيى. فقامت المعلمة بضرب يحيى وتأنيبه، فعاد إلى البيت متأثراً لأنه ضرب دون أن يقترف أي ذنب. وفي صباح اليوم التالي طرق الباب، وعندما نهضت وفتحت الباب كانت المعلمة أمامي، فاستقبلتها مرحبة. وعندما دخلت أخذت تعتذر وتبدي أسفها الشديد، وهي خجلة لأنها ضربت يحيى بدون سبب. فقد اكتشفت بعد نهاية اليوم الدراسي، عندما حققت مع الطلاب أن يحيى كان مظلوماً، وأنه لم يكن له أي ضلع فيما حدث حتى أنه كان بعيداً عن التجمع الطلابي.. كانت المعلمة قد جاءت إلى بيتنا قبل توجهها إلى المدرسة كي تعتذر ليحيى، وكانت تشعر بالخجل والأسف الشديدين، وتأنيب الضمير. ولكن يحيى طلب منها ألا تعتذر، لأن الأمر لا يستحق وليس هناك أي مشكلة، وأنه ليس غاضباً. ثم ترك البيت متوجهاً إلى المدرسة». ويروي الشيخ عبد اللطيف قصة أخرى تعبر عن جانب آخر من أخلاق يحيى الصغير فيقول: «كتب معلم الرياضيات بالصف الأول الثانوي في مدرسة الزاوية الإعدادية مسألة على السبورة، وقال للتلاميذ: من يستطيع أن يحل هذه المسألة؟ فلم يجبه أحد، وجلس طلاب الصف عاجزين عن حل المسألة… جن جنون المعلم من ضعف التلاميذ في هذا الصف، فذهب يشتكي إلى مدير المدرسة. وبالصدفة، كان هناك المعلم الذي يدرس الصف الأول الإعدادي الذي كان فيه يحيى، فقال: أنا مستعد أن أحضر لكما طالباً من الصف الأول الإعدادي ليحل المسألة. وفعلاً، ذهب وأحضر يحيى ثم توجه الجميع إلى الصف الأول الثانوي. وبالفعل، قام يحيى بحل المسألة وسط دهشة المدير والمعلمين والتلاميذ».



وعلى أثر هذه الحادثة، بعث مدير مدرسة الزاوية الإعدادية في ذلك الوقت رسالة تقدير واحترام إلى والد الطالب يحيى عياش، يهنئه فيها على ذلك الشاب الذكي، صاحب الأخلاق الرفيعة. وقال المدير في نهاية رسالته: «إنني أتوقع أن يكون لهذا الفتى شأن عظيم في حياته المستقبلية».



2- في جيل الشباب

لم يكن يحيى عياش اجتماعياً بالمفهوم المتداول، إذ أنه تميز بصمته وعدم مخالطته لعموم شباب القرية بشكل عام. ورغم ذلك، فقد كان معروفاً بين أوساط شباب رافات وبخاصة أبناء جيله وأقرانه بتفوقه المتواصل وتمتعه بقدر كبير من الالتزام بتعاليم الدين الإسلامي، ولم يكن يقبل أي تهاون في ذلك. وقد أتم يحيى عياش حفظ القرآن الكريم كاملاً عن ظهر قلب، وحصل على شهادة تقدير من مديرية الأوقاف الإسلامية بالقدس لتفوقه في دراسة العلوم الشرعية وتجويد القرآن الكريم ما تزال محفوظة في صالة منزل والديه.



يقول والده: «يحيى كان ولداً هادئاً منذ طفولته، سواء في المدرسة والجامعة، أو البيت والبلد.. وكان مشهوداً له بأنه لم يتسبب في مشكلة مع أحد، والله يرضى عليه كان حنوناً على أمه وأخوته.. وكان عندما يسمع الآذان كان يترك كل شيء بيده ويذهب مباشرة للصلاة في الجامع. وكذلك، كان يحيى هادئاً جداً وقليل الكلام، ويمكن أن تجلس معه ساعات طويلة دون أن تسمع منه شيء وإذا سألته يجيب على قدر السؤال وبدون زيادة». وتضيف أم يحيى: «يحيى.. أنتم لا تعرفونه.. أطهر القلوب يحيى.. يحيى لم يرتكب جهالة في حياته، ولم يتعرض لبنات الناس لا بالكلمة ولا بالفعل.. حتى عندما كان في جيل الشباب، كان خلقه رفيعاً وسريرته نظيفة، ولم يأت بأفعال تغضب الخالق أو الخلق. ولم يحاول مرة أن يعمل مشكلة مع شباب القرية أو أهلها»



ويؤكد شباب القرية هذا الكلام، حيث تحدث أحدهم قائلاً: «كان يحيى ذلك الشاب النموذجي الذي يقتدي به الشباب.. كان هادئاً، رزيناً، متديناً، حسن الأخلاق، يحب الخير للناس ولا يؤذي أحداً ولا يغضب أحداً ولا يغضب من أحد. وكان يذهب إلى المسجد وهو شاب ويؤدي فرائض الصلاة الخمس كل يوم».



أما هوايات يحيى عياش في بداية شبابه فكانت فك وتركيب وتصليح الأجهزة الكهربائية، إذ اعتاد أهل القرية إرسال أجهزتهم المنزلية التي تتعطل إلى بيت الشيخ عبد اللطيف حتى يقوم يحيى بإصلاحها وإعادتها إليهم. وقد بدأ الأمر هذا مع يحيى كهواية سرعان ما تطورت فيما بعد لتتحول إلى ولع دفعه لدراسة الهندسة الكهربائية. وتضيف أم يحيى قائلة عن كفاءة يحيى في ممارسة هوايته: «كانت لديه عقلية متفوقة ونبوغ منذ صغره، والكل كان يلحظ ذلك عليه. فما أن يرى أحدهم يقوم بعمل حتى يحفظه، وعندما يمارسه، كان يتقنه بمهارة تدهش الجميع».


3- ابن نموذجي

تتحدث أم البطل عن تصرفات يحيى في البيت وعلاقته بوالديه وشقيقاه، فتقول: «إن الله قد حرمني من إنجاب البنات، وكان -الله يرضى عليه- لا يفارقني عندما أصاب بمرض، ويتمتم فوق رأسي داعياً الله أن يمن علي بالشفاء. وكان يطبخ الطبيخ ويذبح الدجاج، ويحضر الطعام، وينظف البيت.. قلبي وربي راضيان عنك يا يحيى.. الله والسماء تحرسك يا يحيى». وتتنهد الأم وتنهمر الدموع من عينيها، ثم تضيف: «كان هادئاً ومؤدباً، ولم يحاول مرة أن يغضبني أو يغضب والده. ولم يكن يضرب أخوته أو يزعلهم». ولأن يحيى كان دائماً يداعبها قائلاً: «أنا لا أحب إلا طعامك، وليس هناك امرأة في العالم تطبخ طعاماً لذيذاً مثلك»، فإنه نادراً ما تناول طعاماً من عند أحد -ولا حتى أقاربه- وفق ما أشارت والدته.

ابو مصعب
01-05-2008, 09:25 AM
4- طالب في كلية الهندسة

حصل يحيى عياش على شهادة الدراسة الثانوية من مدرسة بديا الثانوية عام ،1984 وكان معدله 8.92%، وعند إمعان النظر في كشف الدرجات التي حصل عليها، نجد أنه حصل على معدل 95% في مبحثي الفيزياء والرياضيات، وكان هذا مؤشر واضح على ذكاء وعبقرية متوقعة في مجالات ستترك آثاراً واضحة للعيان على مستقبل يحيى عياش.



وما هي إلا أسابيع قليلة، حتى غادر يحيى الضفة الغربية متوجهاً إلى عمان لفحص إمكانية الدراسة، وبعد تسعة أيام فقط، قضاها المهندس في ضيافة أحد أعمامه، عاد يحيى أدراجه إلى رافات على الرغم أن إعلان أسماء المقبولين تضمن قبول يحيى في كلية العلوم بالجامعة الأردنية وكلية الهندسة بجامعة اليرموك. وعبثاً حاول الوالد إقناع ابنه بالموافقة على الدراسة في جامعة اليرموك وعدم الالتفات إلى المصاريف المالية المترتبة، إذ رفض يحيى هذا العرض رفضاً قاطعاً، وأصر على الالتحاق بجامعة بيرزيت* [جامعة بيرزيت: جامعة خاصة تأسست عام 1972 ككلية تملكها عائلة (ناصر) التي تقطن في قرية بيرزيت، ما لبثت عام 1976 أن تحولت إلى جامعة. وتعتبر هذه الجامعة من أهم جامعات الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ أنها تستقبل عادة النخب الأكاديمية من أوائل الطلاب والمتفوقين.] لدراسة الهندسة الكهربائية. وأخبر الابن والده بأنه قرر الدراسة بتلك الجامعة كونها قريبة على رافات، وبالتالي يستمر التواصل بينه وبين عائلته إلى جانب أن تكاليفها المادية منخفضة نسبياً.



سافر يحيى في شهر أيلول (سبتمبر) من عام 1984 إلى مدينة رام الله للتسجيل في جامعة بيرزيت، ورافقه والده في تلك الرحلة التي شكلت حدثاً مفصلياً في حياة الشهيد. وجاءت رغبة الوالد في مشاركة ابنه أعباء عملية التسجيل والبحث عن سكن مناسب بهدف الاطمئنان على الحياة الجامعية الجديدة للطالب القروي الطيب. ونتوقف هنا، ليحدثنا رئيس سابق للكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت وهو صديق شخصي ليحيى عياش حيث قضى معه ثلاث سنوات على مقاعد الدراسة، إذ يقول الأستاذ أبو محمد: «بدا يحيى للوهلة الأولى مثل معظم أبناء القرى حيث أن مدينة بيرزيت تعتبر من المناطق البعيدة التي ذهب إليها خارج قريته الصغيرة. ولا غرابة في ذلك، إذ تنحصر معرفة ابن قرى نابلس فقط بمدينة نابلس التي يزورها في المناسبات. وقد كانت سمة البساطة والطيبة والتدين وعدم المعرفة بتعقيدات أمور الدنيا وتداخلاتها واضحة تماماً سواء على الوالد أو الابن».



أما الأستاذ إبراهيم، الذي شارك الشهيد الغرفة في قرية أبو قش القريبة من الجامعة عند بداية العام الدراسي الأول (1984/1985)، فيقول عن طبيعة يحيى وأخلاقه وعلاقاته: «كنت أسكن مع أخي في قرية أبو قش قرب الحرم الجديد لجامعة بيرزيت. وعندما تخرج أخي، تقدم الشهيد يحيى عارضاً عليَّ أن يسكن معي في البيت حيث كنت وحيداً، وكنت أدفع 25 ديناراً كأجرة للبيت وهو مبلغ بسيط في حينه. لذلك، لم أرغب في استقدام طالباً آخر ليشاركني السكن في نفس الغرفة حتى تقدم يحيى عياش، عندها غيرت موقفي، ووافقت على طلب ذلك الشاب السمح ذو الأدب الرفيع والذي عرفته من خلال نشاطات الكتلة الإسلامية داخل الحرم الجامعي. فقد كان متميزاً بحسن سلوكه وتسامحه وتواضعه إلى جانب حيائه الشديد». ويضيف زميل الشهيد: «كان يحيى لطيف المعشر، حسن السلوك، لين الجانب إلا في الحق، متسامحاً، صادق الكلام أبداً، ومحقاً في المعاملات المالية، وفي الحقيقة، إن أكثر ما يميز سيرة الشهيد، أنه كان مسلماً غيوراً على إسلامه بالفطرة الربانية، حتى أنه كثيراً ما كان ينتهز أي عطلة أسبوعية أو إضراب داخل الجامعة ليعود إلى قريته، ليكون بعيداً عن جو الفساد. وكثيراً ما كان يبدي لي اشمئزازه من التبرج السافر والانحلال الخلقي لبعض طلاب وطالبات الجامعة. وكنت أحس من خلال مناقشاتنا الليلية قبل النوم أن هذا الشخص لا يمكن أن تنفع معه كل إغراءات الدنيا. فتمسكه بالدين كان بالفطرة الربانية الشديدة الصفاء، القوية الثبات. وقد أيقنت مع مرور الأيام معه في السكن أن هذا الشخص يعيش ويحيى لدينه فقط.. إن قناعتي هذه مبنية على استنتاجات أكيدة من خلال نقاشاتنا المتبادلة يومياً حول كل الأمور الأكاديمية والسياسية المحلية والخارجية». ويلخص الأستاذ إبراهيم تحليله لشخصية يحيى عياش، بالقول: «عرفت يحيى بالابتسامة التي لا تفارقه وصمته الطويل وطبعه الهادىء. وعلى الرغم أنه كان رقيق الصوت، ولا يتحدث في الجلسات العامة إلا أنه لم يكن ليبقى ساكتاً عندما يكون الأمر يخص الإسلام والمسلمين. فتراه يهب بفطرته السليمة وحبه للدين منافحاً عن الحق. ولهذا لم يكره أحد عدا أعداء الفطرة الإسلامية، ولم يكن له أعداء من الطلاب أو أصحاب السكن أو الأهالي عموماً».



أما فيما يتعلق بالطالب يحيى عياش داخل أسوار الجامعة، فإن زميل الشهيد يعرج على هذه النقطة باختصار معبراً عن واقع تلك الفترة. إذ أن يحيى «كان دائماً يغض الطرف داخل أسوار الجامعة، وبقي بعيداً عن أجواء الصخب والعبث. وكثيراً ما شاهدته منشغلاً بتلاوة القرآن وطاعة الرحمن بالذكر والمأثورات».



ويؤكد الأستاذ إبراهيم أن ذكاء يحيى ونبوغه وتفوقه قد رافقه في دراسته الجامعية، ويستشهد على ذلك بأن الشهيد حصل على العلامات الجيدة رغم أنه لم يكن يطيل السهر حيث تميز باستيعابه الممتاز للمادة العلمية وتثبيته للمعلومات التي يلقيها الدكتور والتي لفتت أنظار كل من الطلاب والأساتذة على حد سواء.



وبعد هذه الصورة التي رسمها زميل الشهيد في السكن، يستكمل الصحفي فايد أبو شمالة الذي عاصر الشهيد أثناء فترة الدراسة في جامعة بيرزيت عن قرب تشكيل كلمات الرسالة التي تركها المهندس للأجيال: «هناك الكثير من الأشياء التي يمكن الحديث عنها في موضوع الشهيد يحيى عياش. وقد تحدث الناس الكثير، والصورة في الذاكرة مشرقة وبراقة. وتدور في مخيلتي دائماً صورة شاب ودود ولطيف، له جاذبية خاصة، مميز في هيئته وحركته ويلفت النظر لكونه شديد الحياء، إذا تحدث بصعوبة تسمع صوته، خلوق وحساس المشاعر يتأثر بالحسن ويفرح له ويتأثر بالقبيح ويتضايق منه، وأذكر أنني كنت أعجب كثيراً من شدة إيمانه وإخلاصه، وأتذكر مقولة (الأتقياء الأخفياء) الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا.. وحقيقة كان منهم، فقد كان يشارك في كل شيء ولا يبرز في أي شيء.. وكان يتفاعل مع الأحداث بشكل قوي دون أن يصدر عن تفاعله أي ضجيج أو صخب». ويضيف أبو شمالة: «لست أذكر أن أحداً من إخوانه قد تضايق يوماً منه أو اشتكى أو أظهر امتعاضه من السكن معه، رغم أن مشاكل السكن كانت كثيرة بين الطلاب لأن مجال الاحتكاك على مدار اليوم وكان كل اثنان يسكنان في غرفة واحدة، وهذا يجعل مجال الاحتكاك أكبر، ولم يكن رحمه الله يظهر امتعاضاً حيثما سكن».



وفي نفس سياق الحديث وموضوعه، نقل رئيس الكتلة الإسلامية بالجامعة انطباعاته عن يحيى بنقاط محددة وعبارات نقتبس منها التالي: «شاب بسيط ومتواضع تميز ببساطة ما يرتديه من ثياب وأحذية. وهو شاب ورع وتقي، حرص على عدم البقاء في الجامعة في أيام العطل الأسبوعية حتى يبتعد عن الفساد. ولم يُعرف أنه شكا من أحد أو انتقد أحداً، أو أن أحداً زعل منه، فقد أحب زملاءه وأساتذته واحترمهم، وكانت معاملته مع الجميع حسنة للغاية وبالتالي احترمه الناس وأحبوه. وعلى الرغم أنه كان من أنشط الشباب في كلية الهندسة، إلا أنه كان حريصاً على الابتعاد عن الأضواء، ويتشدد في ذلك».



تخرج يحيى عياش مهندساً كهربائياً من جامعة بيرزيت في شهر آذار (مارس) من عام 1993م، وهذا يعني أنه قضى ثمان سنوات على مقاعد الدراسة الجامعية. ويعود السبب في ذلك إلى الإضرابات والإغلاقات المستمرة لجامعة تعتبرها سلطات الاحتلال «جامعة تخريج الكوادر القيادية» لمختلف الفصائل الفلسطينية. ففي شهري كانون أول (ديسمبر) من عام ،1986 وكانون الثاني (يناير) من عام 1988 أصدر الحاكم العسكري الإسرائيلي عدة قرارات بتعطيل الدراسة وإغلاق الجامعة لمدد متعاقبة أدت إلى خسارة الطلبة أكثر من سنتين أكاديميتين. ولئن، جاءت اللحظة التاريخية وتحقق حلم الشيخ عبد اللطيف بحصول فلذة كبده على الشهادة الجامعية بتفوق، إلا أنه لم يشاهد ذلك على أرض الواقع ولم يكحل عينيه برؤية يحيى ضمن فوج الخريجين في الاحتفال الذي أقامته الجامعة. فقد غاب يحيى عن الحفل ولم يحضر مراسم تسليم الشهادات، لأنه كان وقتها مطلوباً لجهاز الشاباك وتطارده قوات الاحتلال بسبب دوره في التخطيط لعملية رامات افعال بتل أبيب في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1992.




5- في سفينة الكتلة الإسلامية

تعتبر هذه المحطة من أهم المحطات في حياة الشهيد القائد يحيى عياش، إن لم تكن الأهم، باعتبار أن الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت والتي عاش فيها ما يزيد عن خمس سنوات شكلت محضناً ومدرسة قامت بصقل شخصية المهندس ووجهتها نحو المسار الذي عرفت به.



ففي إطار الكتلة الإسلامية التي انتمى إليها، بنى يحيى علاقاته وتصوراته، وطور ثقافته واطلاعه، وفهم الصراع الذي يحاك ضد الإسلام والحركة الإسلامية سواء في داخل الجامعة، وحتى في خارجها حيث الصراع المباشر مع الاحتلال الصهيوني. فالحواجز العسكرية على الطرق المؤدية إلى الجامعة ومداخلها والإغلاقات المتواصلة للجامعة إلى جانب المواجهات المباشرة والمظاهرات المناهضة للاحتلال وسياساته، تركت بصمات متكررة على وشغلت حيزاً كبيراً في يوميات يحيى عياش.



بداية علاقة يحيى مع الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت تعود إلى يوم 2 تشرين أول (أكتوبر) 1984. إذ جرت العادة عند الكتلة الإسلامية أن تقيم حفل تعارف يضم الطلبة من أبناء الكتلة وجميع الطلبة الجدد الذين يلبون الدعوة ويظهرون موافقة مبدئية على الانضمام إلى صفوف الكتلة. وتم خلال هذا اللقاء، الذي عقد في مسجد بيرزيت القريب من الحرم الجامعي القديم، التعارف بين الطلاب القدامى والجدد، وعرف الشهيد وقتها بنفسه قائلاً: «أخوكم في الله يحيى عياش من رافات - سنة أولى هندسة». وكانت عبارة (أخوكم في الله) هي عنوان المحبة بين كل أبناء الكتلة الإسلامية، وأثبتت الأيام أنهم جميعاً حقاً أخوة في الله.



وشارك المهندس إخوانه في كافة المواقع ومراحل الصراع والاحتكاكات المباشرة سواء كانت مع سلطات الاحتلال وحتى مع الكتل الطلابية المنافسة. وحققت الكتلة بروزاً وحضوراً سياسياً فاعلاً، وغدت تجمعاً طلابياً له وزنه ومكانته في العمل النقابي داخل الجامعة. ولعل أهم الأحداث التي شارك فيها شهيدنا تمثلت بتنظيم الكتلة الإسلامية مظاهرة طلابية عارمة يوم5 كانون أول (ديسمبر) من عام ،1986 ما لبثت أن تحولت إلى مواجهات عنيفة بين الطلاب وقوات الاحتلال الصهيوني أسفرت عن استشهاد اثنان من شباب الكتلة الإسلامية هما جواد أبو سلمية وصائب ذهب. وتركت هذه المواجهات آثارها البالغة على المهندس الذي شاهد أخاه وزميله جواد يسقط بالقرب منه إثر إصابته بوابل من نيران جنود العدو. ويؤكد الأستاذان إبراهيم وأبو محمد بأن يحيى لم يتخلف يوماً عن أي اجتماع للكتلة أو نشاط أو مسيرة داخل الجامعة. ويشدد الأستاذ أبو محمد في استعراضه لطبيعة يحيى ومآثره داخل الكتلة الطلابية الإسلامية على تميز المهندس باقتراحاته لرفع مستوى الكتلة وتطوير أدائها. ويضيف: «لا يذكر نفسه أو يمتدحها أثناء حديثه، ويتحدث بصوت خفيض دون أن يرفع صوته على أحد قط، وينسحب من أي نقاش تعلو فيه الأصوات. ولهذا، حرص يحيى على الطرح التوفيقي في تناوله للمواضيع أثناء النقاش، والابتعاد عن الثرثرة في المواضيع الجدلية. ومع كل هذا، كان يحيى لا يتكلم في المجموع ولا يتحدث بشكل مباشر إلا مع شخص واحد فقط ولا يزيد على ذلك».



كان يحيى يمتاز بهدوءه المعروف وصمته دون أن يسهب في الكلام إذا ما طلب منه أن يبدي رأياً في موضوع معين. وعلى الرغم من ذلك، يقول مسؤول الكتلة الإسلامية: «كثيراً ما كان يطرح يحيى أموراً نشعر أنها أكبر من حجمنا أو أنها لا تتناسب مع هدوء شخصيته، مثل مطالبته الكتلة الإسلامية بالتشدد وميله إلى التلويح بالقوة لأخذ حق الكتلة والمحافظة على مكتسباتها في ظل الأجواء التي كانت تعترض الشباب المسلم».


6- شيخ الإخوان في رافات



كشف أقطاب الحركة الإسلامية في الضفة الغربية، بأن يحيى عياش لبى دعوة الإخوان المسلمين وبايع الجماعة في بداية العام الدراسي الثاني (1985/1986)، وأصبح جندياً مطيعاً وعضواً عادياً بإحدى أسر (مجموعات) الإخوان المسلمين في مدينة رام الله. ويضيف هؤلاء بأن يحيى عمل بجد ونشاط وقام بكافة تكاليف وأعباء الدعوة الإسلامية سواء داخل الجامعة أو في مدينة رام الله وحتى في قريته. ووظف المهندس السيارة التي اشتراها والده في خدمة الحركة الإسلامية، حين دأب على السفر إلى رافات، وقام بإرساء الأساسات وشكل أنوية لمجموعات من الشباب المسلم الملتزم. وحينما انفتح الأفق على حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، كانت هذه المجموعات في طليعة السواعد الرامية ورماة القنابل الحارقة التي واجهت قوات الاحتلال خلال سنوات الانتفاضة المباركة. ونظراً للدور الريادي الذي قام به، وحكمته في حل المشاكل وتصفية الخلافات بين الشباب من مختلف الانتماءات السياسية والأيدلوجية، فقد اعتبرته الفصائل الفلسطينية (شيخ الإخوان في رافات)، رجعت إليه في كافة الأمور التي تتعلق بالفعاليات أو الإشكالات خلال الأعوام (1988 - 1992).



وتعد سنوات الانتفاضة الأربعة الأولى، من أكثر الفترات غموضاً في حياة المهندس. فباستثناء حادث واحد تمكنا من رصده، وهو قيام سلطات الاحتلال بفرض منع التجول على القرية يوم 12/10/،1991 ومن ثم شن هجوم تحت وابل من الأسلحة الرشاشة على مسجد رافات بحجة أن حماس تستخدم المسجد في التحريض على مقاومة الاحتلال، فإننا لم نستطع أن نعثر على مشهد آخر أو مظهر ثان يدل على آثار القرية وشبابها أثناء الانتفاضة. وهذا إن دل على شيء، فإنه -بلا شك- يدل أن تلك الفترة كانت الأكثر أهمية في حياة يحيى السرية والخاصة والتي ظهرت آثارها لاحقاً، غير أن جميع زملائه يتذكرون حادثاً وقع له أثناء عودته مع عدد من رفاقه بعد أدائهم لصلاة العشاء في مسجد أبو قش، إذ اعترضهم مجموعة من جنود الاحتلال في عدة سيارات عسكرية. وبعد عدة مداولات بين الجنود الإسرائيليين، أطلق العدو سراح الشباب باستثناء يحيى الذي قيدت يداه ورجلاه واقتيد في إحدى السيارات العسكرية إلى منطقة جبلية وعرة ومعزولة خارج القرية. وقد شعر يحيى بما يدبره الجنود حين توغلوا به في إحدى الأودية المعتمة، خاصة وأنه سمع عن استشهاد العديد من الشباب خلال الانتفاضة بمثل هذه الطريقة. وتوقع يحيى أن يطلق جنود الاحتلال النار عليه ليبدو الأمر وكأنه مقتل هارب من وجه السلطات، ولهذا رفض يحيى الانصياع لإرادة الجنود بمغادرة السيارة والابتعاد قليلاً، وبدلاً من الفرار، ظل يحيى ملاصقاً للجنود الذين راحوا يدفعونه بعيداً عنهم، إلى أن ظهرت فجأة ثلاث نساء يرتدين لباساً أبيض وبشكل غير متوقع توقفن لمشاهدة ما يحدث، الأمر الذي أربك الجنود وجعلهم يسرعون إلى سيارتهم ومغادرة المكان دون أن يقتلوا المهندس. وتؤكد صحيفة معاريف هذه الحادثة، حيث أشارت إليها في سياق تعليقها الذي نشرته تحت عنوان (القضاء على الأسطورة) يوم الأحد 7 كانون ثاني (يناير) 1996. وعلقت الصحيفة العبرية على الحادثة بالقول: «كانت هذه برهاناً على أن عياش محمي من قبل الله وأن أجهزة المخابرات الإسرائيلية غير قادرة على إصابته».



ويكشف أبو الفداء -أحد المقربين من الشهيد قبل مطاردته، والذي شارك معه في تأسيس حركة حماس في رافات- بأن يحيى جاءه بعد صلاة يوم الجمعة في كانون الثاني (يناير) من عام ،1988 وطلب منه أن يرافقه إلى المسجد الأثري القديم الذي بني بأمر من الظاهر بيبرس. وعند وصولهما المسجد، قال له يحيى: «أيرضيك ألا يكون للإسلام صوت في انتفاضة القرية؟؟ لماذا لا نؤسس حركة حماس في القرية كما في غيرها». واتفق الاثنان وتعاهدا، فكانت شرارة حماس الأولى وانطلاقتها في القرية. ويضيف أبو الفداء، أنه خرج ويحيى ملثمين لإغلاق الشارع الرئيسي للقرية في يوم إضراب أعلنته حركة حماس، وفجأة ظهرت دورية عسكرية صهيونية على نفس الشارع. فاختبأ خلف الجدار الحجري القريب، وحين نظر أبو الفداء إلى يحيى، فإذا به يقرأ القرآن، ثم يقول له: «أبا الفداء، ما ظنك باثنين الله ثالثهما».



ويروي أبو الفداء حادثة أخرى، تعبر عن أخلاق يحيى وشخصيته القيادية، فيقول: «اجتمعنا في منزل يحيى ذات يوم لتدارس أوضاع الحركة والانتفاضة، فغضبت من شقيقي وصحت فيه لسبب ما، فزجرني يحيى وقال: نحن دعاة، لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك».


7- خطبة وبيت وزواج

بدأت العائلة القروية الصغيرة تلمس بدايات التحول في شخصية الابن البكر وغموض تحركاته، وبخاصة مع مطلع عام 1991. ويبدو أن رحلة المهندس بالإعداد والتجهيز لملاحم البطولة قد شغلت تفكيره وأخذت حيزاً كبيراً من وقته وجهده. وتتحدث والدته التي كانت من أقرب الناس إليه حول التغير الذي لمسته في حياة يحيى بتلك الفترة، فتقول: «في السنة الأخيرة لدراسته الجامعية، كان يبدو دائماً ساهماً، واجماً، شارد الذهن، مطرق الرأس.. يبدو عليه الانشغال والتفكير.. أسأله: ما بك يا يحيى، فيجيب لا شيء. وعندما ألح عليه يقول: إنني مشغول بموضوع التخرج والعمل بعد أن أتخرج. وبعد تخرجه من الجامعة، كان يبدو دائماً غامضاً وفي حياته سر. ولم أعلم بأنه يخفي عليّ أنه يدبر لشيء ما».



ولأن حنان الأم يطغى في مثل هذه الحالات، وعاطفة الأب تقوده في اتخاذ القرارات، وبعد مداولات بين الوالدين، واعتقاداً منهما بأن ابنهما يمكن أن ينشغل في أمور الحياة الدنيا كغيره من أبناء جيله ويبتعد عما يمكن أن يشوش على تحصيله العلمي، قرر الوالد أن يغريه ببناء منزل مستقل ويزوجه إحدى قريباته. ويقول الشيخ عبد اللطيف متذكراً تلك اللحظات: «أثناء دراسة يحيى في الجامعة، ورغبة مني ترغيبه بالحياة، قمت بتشييد بيت له ووضعت الأساس وهو غائب عن المنزل. وعندما عاد من الجامعة وشاهد الأساسات، اعترض عليها وقال أنه يكتفي بغرفتين فقط ولا حاجة لبناء بيت كبير.. ثم خطبنا له عروساً وهي ابنة خالته، وفيما بعد اشتريت له حاسوباً وزوجته». ويشير الأب إلى أن قلقه على ابنه بدأ «بعد انتظام يحيى في دراسته، ففي السنة الدراسية الأولى في جامعة بيرزيت وقعت مظاهرات طلابية احتجاجاً على ممارسات الاحتلال مما أدى إلى استشهاد طالبين. وبعد استشهاد الشابين، وكان أحدهما صديقاً ليحيى، سارعت بالسفر إلى الجامعة رغم حظر التجول. وسرت مشياً على الأقدام لكي أصل إلى نور العين حتى التقيت بيحيى، فعانقته وقبلته كثيراً». تزوج المهندس ابنة خالته، هيام عياش، بتاريخ 9 أيلول (سبتمبر) من عام 1991م. ولكن، سرعان ما طرق زوار الفجر منزله، وأصبحت القوات الخاصة وأعتى رجال الأمن والمخابرات الصهاينة من رواد البيت. فمضى يحيى في طريق العزة والكرامة تاركاً وراءه زوجة وابناً أسماه (براء) تفتحت عيناه على الحياة في 1 كانون الثاني (يناير) 1993. ولم يلتم الشمل مرة أخرى، إلا بعد نحو عام ونصف حين نجح المهندس في تخطي جيش المخبرين وضباط الشاباك والوحدات الخاصة التي كانت تداهم المنزل باستمرار، وانتقلت هيام مع براء إلى قطاع غزة، لتعيش الزوجة مع زوجها، ويتعرف الابن على أبيه المجاهد. وقد رزق المهندس قبل استشهاده بيومين فقط، بابنه الثاني الذي أسماه (عبد اللطيف) تيمناً بوالده، غير أن العائلة أعادت اسم يحيى إلى البيت حين أطلقت على الطفل عبد اللطيف اسم (يحيى).


8- ابن كتائب عز الدين القسام

الشهادة الجامعية وبخاصة في فرع الهندسة التي تؤهل صاحبها للمناصب والوظيفة المرموقة، إلى جانب الاستقرار والزوجة والابن والمنزل والسيارة وغيرها من المغريات النفسية والحسية التي توفرت للشهيد يحيى عياش لم تنل ممن قرر أن يعمل في سبيل الله مجاهداً محتسباً الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى. فمضى المهندس بهدوء وبدون أضواء متفرغاً وبشكل كلي إلى الهدف الذي لم يغب عن وجدانه يوماً واحداً: أن يعود علمه وذكاءه وقدرته وعمله إلى فلسطين وأن تعود فلسطين إليه. وأنشغل الشهيد منذراً نفسه لله ثم لهذا الدين، واشتعلت فلسطين بعملياته المتميزة نوعاً وعدداً، وعندها أيقنت الدوائر الإسرائيلية من سياسية وعسكرية وأمنية بأن يحيى عياش ليس رجلاً فلسطينياً عادياً. وبكلمات تفيض فخراً واعتزازاً بيحيى، يتحدث الشيخ عبد اللطيف عن أهداف المهندس ومبتغاه، قائلاً: «الله سبحانه وتعالى يكرم الشهيد بأن يجعله خالداً في قلوب الناس، ولو أراد إنسان أن يفعل ذلك فلا تكفيه فلوس الدنيا كلها لينال هذا الحب والتكريم. ويحيى كان يعمل لله، وليس طمعاً في منصب أو دينار. وكنت أكرر عليه مراراً: هل تريد من وراء هذا العمل أن تصبح مشهوراً أو مهماً أو أن تصبح رئيساً مثلاً. فكان الله يرحمه، يجيب، أعوذ بالله، أنا أريد فقط أن أبقى مجاهداً في سبيل الله حتى استشهد».



بدايات المهندس مع العمل العسكري ترجع إلى أيام الانتفاضة الأولى، وعلى وجه التحديد عامي 1990 و 1991. فقد استقر لدى يحيى رأي ما لبث أن ترسخ لديه كقناعة وهدف، حيث بدأ يسعى لتحويل الحجر إلى قنبلة تنفجر في صدور المحتلين وتقض مضاجعهم. وبإلهام من الله سبحانه وتعالى وعون منه، توصل صاحب الحق إلى مخرج لمشكلة شح الإمكانات المتوفرة وندرة المواد المتفجرة، وذلك بتصنيع هذه المواد من المواد الكيماوية الأولية التي تتوفر بكثرة في الصيدليات ومحلات بيع الأدوية والمستحضرات الطبية. فكانت العملية الأولى بتجهيز السيارة المفخخة في رامات افعال بتل أبيب، وبدأت أثر ذلك المطاردة المتبادلة بين يحيى عياش ودولة الاحتلال وأجهزتها الأمنية والعسكرية.



قدر الله سبحانه وتعالى أن يكتشف العدو السيارة المفخخة في رامات افعال بطريق الصدفة، ويومها عرف خبراء المتفجرات الصهاينة أن عبقرية فذة في عمليات التفجير ستكون في مواجهتهم. وبعد تحقيق شديد وقاس مع المجاهدين اللذين اعتقلا أثر العثور على السيارة المفخخة، طبعت الشاباك اسم يحيى عبد اللطيف عياش في قائمة المطلوبين لديها للمرة الأولى. ولأن المجاهدين المعتقلين، لم يكونا على اطلاع بدور المهندس في تجهيز العملية والتخطيط لها، فإن ضباط الشاباك وضعوا اسم يحيى في المرتبة الخامسة من حيث الخطورة. ولذلك، داهمت قوات كبيرة من الجيش وحرس الحدود يرافقها ضباط ومحققين من الشاباك سلفيت وقراوة بني حسان بحثاً عن زاهر جبارين وعلى عاصي اعتقاداً بأن أحدهما قد نجح في التوصل إلى المعادلات الكيميائية المفزعة لهم.



وأما يحيى عياش، الذي عد نفسه مطارداً ومطلوباً لسلطات الاحتلال منذ ساعة اعتقال البطلين عماد عبد الرحيم وأحمد حسن، فإن الشاباك لم تكلف نفسها عناء تجهيز قوة لمداهمة قريته واعتقاله. ولعل اعترافات المجاهدين وملف يحيى في الإدارة المدنية وما يتوفر من معلومات لدى ضباط المخابرات أيام دراسته الجامعية أوحت للمحققين أنهم أمام شاب بسيط لا تتعدى تهمته توفير الخدمات أو تقديم المساعدة لكتائب الشهيد عز الدين القسام.



حين جلس يحيى يستعرض بهدوء شريط الأحداث التي أعقبت عثور جنود الاحتلال على السيارة التي أعدها، واستمرار عمليات المداهمة والتفتيش التي تركزت على المجاهدين الأربعة، زاهر وعلي وعدنان وعبد الفتاح، دون أن يبدو من سلطات الاحتلال وأجهزتها ما يدل على خططها تجاه المهندس، جمع الشهيد المعادلات المتوقعة وأخذ يقلب الاحتمالات الأرجح. وبعد تفكير عميق، وبفضل ذكاءه ورباطة جأشه، قرر المهندس أن يبادر بجس النبض عن طريق الإدارة المدنية الإسرائيلية في سلفيت. فطلب من خاله الذي يريد السفر إلى السعودية أن يقدم له طلباً لتصريح خروج إلى عمان موحياً لعائلته بأنه يريد مرافقة خاله للعمل هناك. وبعد يومين، ذهب الخال لإحضار التصاريح حيث تبين بأن الإدارة الإسرائيلية قد رفضت إعطاء الخال تصريح ابن أخته وطلبت أن يأتي يحيى بنفسه ليأخذه. ولكن المهندس رفض في اليوم التالي أن يذهب لمقر الإدارة المدنية، وطلب من والده أن يذهب بدلاً منه. وبعد مقابلة المسؤولين الإسرائيليين عاد الشيخ عبد اللطيف من سلفيت ومعه كتاب من المخابرات العامة (الشاباك) تطلب من يحيى الحضور، بزعم أن شخصاً قد اشتكى عليه ويجب أن يحضر إلى مقر الإدارة المدنية، وإذا لم يثبت عليه أي شيء، فإنهم -أي الإسرائيليين- سوف يعطونه التصريح ويعود إلى البيت.



وفي ظل إلحاح ومناشدة الوالد لابنه بالمثول أمام المحققين في مكاتب الإدارة المدنية الإسرائيلية، لثقته بأن يحيى لم يرتكب أي خطأ أو مخالفة يستحق عليها العقاب أو السجن. وبعد الضغط الشديد الذي تعرض له الشهيد القائد، يحسم المهندس أمره، ويقول لوالده مفصلاً موقفه بشكل حاسم: «إذا ذهبت إليهم، عمرك ما بتشوفني، لأني سأعيش بين أربع حيطان ولا تقدر على رؤيتي ولا أقدر على رؤيتك.... (ويصمت الشهيد برهة ثم يستأنف حديثه)... أنا لا أريد أن أخرج، أنا أريد أن أستشهد في وطني فلسطين». وقبل أن يغادر المهندس المنزل، عانق والده وشقيقيه ثم توجه نحو والدته مودعاً: «يا أماه، إما النصر أو الشهادة ولا ثالث لهما بإذن الله».



يعتبر يوم الأحد الموافق 25 نيسان (إبريل) من عام ،1993 بداية المطاردة الرسمية ليحيى عياش. ففي ذلك التاريخ، غادر المهندس منزله، ملتحقاً برفاق الجهاد والمقاومة، الذين كانوا يتخذون من كهوف ومغارات فلسطين قواعد انطلاق لهم في رحلاتهم المظفرة ضد جنود ودوريات الاحتلال. وفي مساء ذلك اليوم، داهمت قوات كبيرة من الجيش والمخابرات المنزل وقامت بتفتيشه والعبث بالأثاث وتحطيم بعض الممتلكات الشخصية للمهندس. وبعد أن أخذ ضباط الشاباك صورة الشهيد جواد أبو سلمية التي كان المهندس يحتفظ بها، توجه أحدهم لوالده مهدداً: «يجب على يحيى أن يسلم نفسه، وإلا فإنه سوف يموت، وسوف نهدم المنزل على رؤوسكم». وتواصلت المداهمات والاستفزازات من قبل جيش الاحتلال وأجهزته، بهدف إشاعة جو الخوف والرعب بين العائلة القروية، اعتقاداً بأن ذلك يؤثر في معنوياتهم ويثني المهندس عن مسيرته المباركة. ولكن هيهات لهم ذلك، فقد واصل المهندس طباعة عناوين المجد والحرية وأعاد للحياة الفلسطينية طعمها، وخلال ثلاث سنوات، كان الشهد لفلسطين والعلقم لبني صهيون. وخاب ظن سلطات الاحتلال وأجهزتها القمعية التي حصدت الفشل في مخططاتها، وتخبطت في رحلة البحث عن المهندس، بينما وقفت أم يحيى في فخر واعتزاز تواجه محققي الشاباك وجنود الاحتلال حيث نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية والتي رافقت قوات الجيش التي داهمت منزل العائلة بعد عملية البطل صالح صوي في تل أبيب عن أم المهندس: «لقد تركنا جميعاً دون أن نشبع منه وداس على الشهادة الجامعية.. منذ أن أصبح يحيى مطلوباً، فإنه لم يعد ابناً لي، إنه ابن كتائب عز الدين القسام».






4- طالب في كلية الهندسة

حصل يحيى عياش على شهادة الدراسة الثانوية من مدرسة بديا الثانوية عام ،1984 وكان معدله 8.92%، وعند إمعان النظر في كشف الدرجات التي حصل عليها، نجد أنه حصل على معدل 95% في مبحثي الفيزياء والرياضيات، وكان هذا مؤشر واضح على ذكاء وعبقرية متوقعة في مجالات ستترك آثاراً واضحة للعيان على مستقبل يحيى عياش.



وما هي إلا أسابيع قليلة، حتى غادر يحيى الضفة الغربية متوجهاً إلى عمان لفحص إمكانية الدراسة، وبعد تسعة أيام فقط، قضاها المهندس في ضيافة أحد أعمامه، عاد يحيى أدراجه إلى رافات على الرغم أن إعلان أسماء المقبولين تضمن قبول يحيى في كلية العلوم بالجامعة الأردنية وكلية الهندسة بجامعة اليرموك. وعبثاً حاول الوالد إقناع ابنه بالموافقة على الدراسة في جامعة اليرموك وعدم الالتفات إلى المصاريف المالية المترتبة، إذ رفض يحيى هذا العرض رفضاً قاطعاً، وأصر على الالتحاق بجامعة بيرزيت* [جامعة بيرزيت: جامعة خاصة تأسست عام 1972 ككلية تملكها عائلة (ناصر) التي تقطن في قرية بيرزيت، ما لبثت عام 1976 أن تحولت إلى جامعة. وتعتبر هذه الجامعة من أهم جامعات الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ أنها تستقبل عادة النخب الأكاديمية من أوائل الطلاب والمتفوقين.] لدراسة الهندسة الكهربائية. وأخبر الابن والده بأنه قرر الدراسة بتلك الجامعة كونها قريبة على رافات، وبالتالي يستمر التواصل بينه وبين عائلته إلى جانب أن تكاليفها المادية منخفضة نسبياً.



سافر يحيى في شهر أيلول (سبتمبر) من عام 1984 إلى مدينة رام الله للتسجيل في جامعة بيرزيت، ورافقه والده في تلك الرحلة التي شكلت حدثاً مفصلياً في حياة الشهيد. وجاءت رغبة الوالد في مشاركة ابنه أعباء عملية التسجيل والبحث عن سكن مناسب بهدف الاطمئنان على الحياة الجامعية الجديدة للطالب القروي الطيب. ونتوقف هنا، ليحدثنا رئيس سابق للكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت وهو صديق شخصي ليحيى عياش حيث قضى معه ثلاث سنوات على مقاعد الدراسة، إذ يقول الأستاذ أبو محمد: «بدا يحيى للوهلة الأولى مثل معظم أبناء القرى حيث أن مدينة بيرزيت تعتبر من المناطق البعيدة التي ذهب إليها خارج قريته الصغيرة. ولا غرابة في ذلك، إذ تنحصر معرفة ابن قرى نابلس فقط بمدينة نابلس التي يزورها في المناسبات. وقد كانت سمة البساطة والطيبة والتدين وعدم المعرفة بتعقيدات أمور الدنيا وتداخلاتها واضحة تماماً سواء على الوالد أو الابن».



أما الأستاذ إبراهيم، الذي شارك الشهيد الغرفة في قرية أبو قش القريبة من الجامعة عند بداية العام الدراسي الأول (1984/1985)، فيقول عن طبيعة يحيى وأخلاقه وعلاقاته: «كنت أسكن مع أخي في قرية أبو قش قرب الحرم الجديد لجامعة بيرزيت. وعندما تخرج أخي، تقدم الشهيد يحيى عارضاً عليَّ أن يسكن معي في البيت حيث كنت وحيداً، وكنت أدفع 25 ديناراً كأجرة للبيت وهو مبلغ بسيط في حينه. لذلك، لم أرغب في استقدام طالباً آخر ليشاركني السكن في نفس الغرفة حتى تقدم يحيى عياش، عندها غيرت موقفي، ووافقت على طلب ذلك الشاب السمح ذو الأدب الرفيع والذي عرفته من خلال نشاطات الكتلة الإسلامية داخل الحرم الجامعي. فقد كان متميزاً بحسن سلوكه وتسامحه وتواضعه إلى جانب حيائه الشديد». ويضيف زميل الشهيد: «كان يحيى لطيف المعشر، حسن السلوك، لين الجانب إلا في الحق، متسامحاً، صادق الكلام أبداً، ومحقاً في المعاملات المالية، وفي الحقيقة، إن أكثر ما يميز سيرة الشهيد، أنه كان مسلماً غيوراً على إسلامه بالفطرة الربانية، حتى أنه كثيراً ما كان ينتهز أي عطلة أسبوعية أو إضراب داخل الجامعة ليعود إلى قريته، ليكون بعيداً عن جو الفساد. وكثيراً ما كان يبدي لي اشمئزازه من التبرج السافر والانحلال الخلقي لبعض طلاب وطالبات الجامعة. وكنت أحس من خلال مناقشاتنا الليلية قبل النوم أن هذا الشخص لا يمكن أن تنفع معه كل إغراءات الدنيا. فتمسكه بالدين كان بالفطرة الربانية الشديدة الصفاء، القوية الثبات. وقد أيقنت مع مرور الأيام معه في السكن أن هذا الشخص يعيش ويحيى لدينه فقط.. إن قناعتي هذه مبنية على استنتاجات أكيدة من خلال نقاشاتنا المتبادلة يومياً حول كل الأمور الأكاديمية والسياسية المحلية والخارجية». ويلخص الأستاذ إبراهيم تحليله لشخصية يحيى عياش، بالقول: «عرفت يحيى بالابتسامة التي لا تفارقه وصمته الطويل وطبعه الهادىء. وعلى الرغم أنه كان رقيق الصوت، ولا يتحدث في الجلسات العامة إلا أنه لم يكن ليبقى ساكتاً عندما يكون الأمر يخص الإسلام والمسلمين. فتراه يهب بفطرته السليمة وحبه للدين منافحاً عن الحق. ولهذا لم يكره أحد عدا أعداء الفطرة الإسلامية، ولم يكن له أعداء من الطلاب أو أصحاب السكن أو الأهالي عموماً».



أما فيما يتعلق بالطالب يحيى عياش داخل أسوار الجامعة، فإن زميل الشهيد يعرج على هذه النقطة باختصار معبراً عن واقع تلك الفترة. إذ أن يحيى «كان دائماً يغض الطرف داخل أسوار الجامعة، وبقي بعيداً عن أجواء الصخب والعبث. وكثيراً ما شاهدته منشغلاً بتلاوة القرآن وطاعة الرحمن بالذكر والمأثورات».



ويؤكد الأستاذ إبراهيم أن ذكاء يحيى ونبوغه وتفوقه قد رافقه في دراسته الجامعية، ويستشهد على ذلك بأن الشهيد حصل على العلامات الجيدة رغم أنه لم يكن يطيل السهر حيث تميز باستيعابه الممتاز للمادة العلمية وتثبيته للمعلومات التي يلقيها الدكتور والتي لفتت أنظار كل من الطلاب والأساتذة على حد سواء.



وبعد هذه الصورة التي رسمها زميل الشهيد في السكن، يستكمل الصحفي فايد أبو شمالة الذي عاصر الشهيد أثناء فترة الدراسة في جامعة بيرزيت عن قرب تشكيل كلمات الرسالة التي تركها المهندس للأجيال: «هناك الكثير من الأشياء التي يمكن الحديث عنها في موضوع الشهيد يحيى عياش. وقد تحدث الناس الكثير، والصورة في الذاكرة مشرقة وبراقة. وتدور في مخيلتي دائماً صورة شاب ودود ولطيف، له جاذبية خاصة، مميز في هيئته وحركته ويلفت النظر لكونه شديد الحياء، إذا تحدث بصعوبة تسمع صوته، خلوق وحساس المشاعر يتأثر بالحسن ويفرح له ويتأثر بالقبيح ويتضايق منه، وأذكر أنني كنت أعجب كثيراً من شدة إيمانه وإخلاصه، وأتذكر مقولة (الأتقياء الأخفياء) الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا.. وحقيقة كان منهم، فقد كان يشارك في كل شيء ولا يبرز في أي شيء.. وكان يتفاعل مع الأحداث بشكل قوي دون أن يصدر عن تفاعله أي ضجيج أو صخب». ويضيف أبو شمالة: «لست أذكر أن أحداً من إخوانه قد تضايق يوماً منه أو اشتكى أو أظهر امتعاضه من السكن معه، رغم أن مشاكل السكن كانت كثيرة بين الطلاب لأن مجال الاحتكاك على مدار اليوم وكان كل اثنان يسكنان في غرفة واحدة، وهذا يجعل مجال الاحتكاك أكبر، ولم يكن رحمه الله يظهر امتعاضاً حيثما سكن».



وفي نفس سياق الحديث وموضوعه، نقل رئيس الكتلة الإسلامية بالجامعة انطباعاته عن يحيى بنقاط محددة وعبارات نقتبس منها التالي: «شاب بسيط ومتواضع تميز ببساطة ما يرتديه من ثياب وأحذية. وهو شاب ورع وتقي، حرص على عدم البقاء في الجامعة في أيام العطل الأسبوعية حتى يبتعد عن الفساد. ولم يُعرف أنه شكا من أحد أو انتقد أحداً، أو أن أحداً زعل منه، فقد أحب زملاءه وأساتذته واحترمهم، وكانت معاملته مع الجميع حسنة للغاية وبالتالي احترمه الناس وأحبوه. وعلى الرغم أنه كان من أنشط الشباب في كلية الهندسة، إلا أنه كان حريصاً على الابتعاد عن الأضواء، ويتشدد في ذلك».



تخرج يحيى عياش مهندساً كهربائياً من جامعة بيرزيت في شهر آذار (مارس) من عام 1993م، وهذا يعني أنه قضى ثمان سنوات على مقاعد الدراسة الجامعية. ويعود السبب في ذلك إلى الإضرابات والإغلاقات المستمرة لجامعة تعتبرها سلطات الاحتلال «جامعة تخريج الكوادر القيادية» لمختلف الفصائل الفلسطينية. ففي شهري كانون أول (ديسمبر) من عام ،1986 وكانون الثاني (يناير) من عام 1988 أصدر الحاكم العسكري الإسرائيلي عدة قرارات بتعطيل الدراسة وإغلاق الجامعة لمدد متعاقبة أدت إلى خسارة الطلبة أكثر من سنتين أكاديميتين. ولئن، جاءت اللحظة التاريخية وتحقق حلم الشيخ عبد اللطيف بحصول فلذة كبده على الشهادة الجامعية بتفوق، إلا أنه لم يشاهد ذلك على أرض الواقع ولم يكحل عينيه برؤية يحيى ضمن فوج الخريجين في الاحتفال الذي أقامته الجامعة. فقد غاب يحيى عن الحفل ولم يحضر مراسم تسليم الشهادات، لأنه كان وقتها مطلوباً لجهاز الشاباك وتطارده قوات الاحتلال بسبب دوره في التخطيط لعملية رامات افعال بتل أبيب في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1992.




5- في سفينة الكتلة الإسلامية

تعتبر هذه المحطة من أهم المحطات في حياة الشهيد القائد يحيى عياش، إن لم تكن الأهم، باعتبار أن الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت والتي عاش فيها ما يزيد عن خمس سنوات شكلت محضناً ومدرسة قامت بصقل شخصية المهندس ووجهتها نحو المسار الذي عرفت به.



ففي إطار الكتلة الإسلامية التي انتمى إليها، بنى يحيى علاقاته وتصوراته، وطور ثقافته واطلاعه، وفهم الصراع الذي يحاك ضد الإسلام والحركة الإسلامية سواء في داخل الجامعة، وحتى في خارجها حيث الصراع المباشر مع الاحتلال الصهيوني. فالحواجز العسكرية على الطرق المؤدية إلى الجامعة ومداخلها والإغلاقات المتواصلة للجامعة إلى جانب المواجهات المباشرة والمظاهرات المناهضة للاحتلال وسياساته، تركت بصمات متكررة على وشغلت حيزاً كبيراً في يوميات يحيى عياش.



بداية علاقة يحيى مع الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت تعود إلى يوم 2 تشرين أول (أكتوبر) 1984. إذ جرت العادة عند الكتلة الإسلامية أن تقيم حفل تعارف يضم الطلبة من أبناء الكتلة وجميع الطلبة الجدد الذين يلبون الدعوة ويظهرون موافقة مبدئية على الانضمام إلى صفوف الكتلة. وتم خلال هذا اللقاء، الذي عقد في مسجد بيرزيت القريب من الحرم الجامعي القديم، التعارف بين الطلاب القدامى والجدد، وعرف الشهيد وقتها بنفسه قائلاً: «أخوكم في الله يحيى عياش من رافات - سنة أولى هندسة». وكانت عبارة (أخوكم في الله) هي عنوان المحبة بين كل أبناء الكتلة الإسلامية، وأثبتت الأيام أنهم جميعاً حقاً أخوة في الله.



وشارك المهندس إخوانه في كافة المواقع ومراحل الصراع والاحتكاكات المباشرة سواء كانت مع سلطات الاحتلال وحتى مع الكتل الطلابية المنافسة. وحققت الكتلة بروزاً وحضوراً سياسياً فاعلاً، وغدت تجمعاً طلابياً له وزنه ومكانته في العمل النقابي داخل الجامعة. ولعل أهم الأحداث التي شارك فيها شهيدنا تمثلت بتنظيم الكتلة الإسلامية مظاهرة طلابية عارمة يوم5 كانون أول (ديسمبر) من عام ،1986 ما لبثت أن تحولت إلى مواجهات عنيفة بين الطلاب وقوات الاحتلال الصهيوني أسفرت عن استشهاد اثنان من شباب الكتلة الإسلامية هما جواد أبو سلمية وصائب ذهب. وتركت هذه المواجهات آثارها البالغة على المهندس الذي شاهد أخاه وزميله جواد يسقط بالقرب منه إثر إصابته بوابل من نيران جنود العدو. ويؤكد الأستاذان إبراهيم وأبو محمد بأن يحيى لم يتخلف يوماً عن أي اجتماع للكتلة أو نشاط أو مسيرة داخل الجامعة. ويشدد الأستاذ أبو محمد في استعراضه لطبيعة يحيى ومآثره داخل الكتلة الطلابية الإسلامية على تميز المهندس باقتراحاته لرفع مستوى الكتلة وتطوير أدائها. ويضيف: «لا يذكر نفسه أو يمتدحها أثناء حديثه، ويتحدث بصوت خفيض دون أن يرفع صوته على أحد قط، وينسحب من أي نقاش تعلو فيه الأصوات. ولهذا، حرص يحيى على الطرح التوفيقي في تناوله للمواضيع أثناء النقاش، والابتعاد عن الثرثرة في المواضيع الجدلية. ومع كل هذا، كان يحيى لا يتكلم في المجموع ولا يتحدث بشكل مباشر إلا مع شخص واحد فقط ولا يزيد على ذلك».



كان يحيى يمتاز بهدوءه المعروف وصمته دون أن يسهب في الكلام إذا ما طلب منه أن يبدي رأياً في موضوع معين. وعلى الرغم من ذلك، يقول مسؤول الكتلة الإسلامية: «كثيراً ما كان يطرح يحيى أموراً نشعر أنها أكبر من حجمنا أو أنها لا تتناسب مع هدوء شخصيته، مثل مطالبته الكتلة الإسلامية بالتشدد وميله إلى التلويح بالقوة لأخذ حق الكتلة والمحافظة على مكتسباتها في ظل الأجواء التي كانت تعترض الشباب المسلم».


6- شيخ الإخوان في رافات



كشف أقطاب الحركة الإسلامية في الضفة الغربية، بأن يحيى عياش لبى دعوة الإخوان المسلمين وبايع الجماعة في بداية العام الدراسي الثاني (1985/1986)، وأصبح جندياً مطيعاً وعضواً عادياً بإحدى أسر (مجموعات) الإخوان المسلمين في مدينة رام الله. ويضيف هؤلاء بأن يحيى عمل بجد ونشاط وقام بكافة تكاليف وأعباء الدعوة الإسلامية سواء داخل الجامعة أو في مدينة رام الله وحتى في قريته. ووظف المهندس السيارة التي اشتراها والده في خدمة الحركة الإسلامية، حين دأب على السفر إلى رافات، وقام بإرساء الأساسات وشكل أنوية لمجموعات من الشباب المسلم الملتزم. وحينما انفتح الأفق على حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، كانت هذه المجموعات في طليعة السواعد الرامية ورماة القنابل الحارقة التي واجهت قوات الاحتلال خلال سنوات الانتفاضة المباركة. ونظراً للدور الريادي الذي قام به، وحكمته في حل المشاكل وتصفية الخلافات بين الشباب من مختلف الانتماءات السياسية والأيدلوجية، فقد اعتبرته الفصائل الفلسطينية (شيخ الإخوان في رافات)، رجعت إليه في كافة الأمور التي تتعلق بالفعاليات أو الإشكالات خلال الأعوام (1988 - 1992).



وتعد سنوات الانتفاضة الأربعة الأولى، من أكثر الفترات غموضاً في حياة المهندس. فباستثناء حادث واحد تمكنا من رصده، وهو قيام سلطات الاحتلال بفرض منع التجول على القرية يوم 12/10/،1991 ومن ثم شن هجوم تحت وابل من الأسلحة الرشاشة على مسجد رافات بحجة أن حماس تستخدم المسجد في التحريض على مقاومة الاحتلال، فإننا لم نستطع أن نعثر على مشهد آخر أو مظهر ثان يدل على آثار القرية وشبابها أثناء الانتفاضة. وهذا إن دل على شيء، فإنه -بلا شك- يدل أن تلك الفترة كانت الأكثر أهمية في حياة يحيى السرية والخاصة والتي ظهرت آثارها لاحقاً، غير أن جميع زملائه يتذكرون حادثاً وقع له أثناء عودته مع عدد من رفاقه بعد أدائهم لصلاة العشاء في مسجد أبو قش، إذ اعترضهم مجموعة من جنود الاحتلال في عدة سيارات عسكرية. وبعد عدة مداولات بين الجنود الإسرائيليين، أطلق العدو سراح الشباب باستثناء يحيى الذي قيدت يداه ورجلاه واقتيد في إحدى السيارات العسكرية إلى منطقة جبلية وعرة ومعزولة خارج القرية. وقد شعر يحيى بما يدبره الجنود حين توغلوا به في إحدى الأودية المعتمة، خاصة وأنه سمع عن استشهاد العديد من الشباب خلال الانتفاضة بمثل هذه الطريقة. وتوقع يحيى أن يطلق جنود الاحتلال النار عليه ليبدو الأمر وكأنه مقتل هارب من وجه السلطات، ولهذا رفض يحيى الانصياع لإرادة الجنود بمغادرة السيارة والابتعاد قليلاً، وبدلاً من الفرار، ظل يحيى ملاصقاً للجنود الذين راحوا يدفعونه بعيداً عنهم، إلى أن ظهرت فجأة ثلاث نساء يرتدين لباساً أبيض وبشكل غير متوقع توقفن لمشاهدة ما يحدث، الأمر الذي أربك الجنود وجعلهم يسرعون إلى سيارتهم ومغادرة المكان دون أن يقتلوا المهندس. وتؤكد صحيفة معاريف هذه الحادثة، حيث أشارت إليها في سياق تعليقها الذي نشرته تحت عنوان (القضاء على الأسطورة) يوم الأحد 7 كانون ثاني (يناير) 1996. وعلقت الصحيفة العبرية على الحادثة بالقول: «كانت هذه برهاناً على أن عياش محمي من قبل الله وأن أجهزة المخابرات الإسرائيلية غير قادرة على إصابته».



ويكشف أبو الفداء -أحد المقربين من الشهيد قبل مطاردته، والذي شارك معه في تأسيس حركة حماس في رافات- بأن يحيى جاءه بعد صلاة يوم الجمعة في كانون الثاني (يناير) من عام ،1988 وطلب منه أن يرافقه إلى المسجد الأثري القديم الذي بني بأمر من الظاهر بيبرس. وعند وصولهما المسجد، قال له يحيى: «أيرضيك ألا يكون للإسلام صوت في انتفاضة القرية؟؟ لماذا لا نؤسس حركة حماس في القرية كما في غيرها». واتفق الاثنان وتعاهدا، فكانت شرارة حماس الأولى وانطلاقتها في القرية. ويضيف أبو الفداء، أنه خرج ويحيى ملثمين لإغلاق الشارع الرئيسي للقرية في يوم إضراب أعلنته حركة حماس، وفجأة ظهرت دورية عسكرية صهيونية على نفس الشارع. فاختبأ خلف الجدار الحجري القريب، وحين نظر أبو الفداء إلى يحيى، فإذا به يقرأ القرآن، ثم يقول له: «أبا الفداء، ما ظنك باثنين الله ثالثهما».



ويروي أبو الفداء حادثة أخرى، تعبر عن أخلاق يحيى وشخصيته القيادية، فيقول: «اجتمعنا في منزل يحيى ذات يوم لتدارس أوضاع الحركة والانتفاضة، فغضبت من شقيقي وصحت فيه لسبب ما، فزجرني يحيى وقال: نحن دعاة، لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك».


7- خطبة وبيت وزواج

بدأت العائلة القروية الصغيرة تلمس بدايات التحول في شخصية الابن البكر وغموض تحركاته، وبخاصة مع مطلع عام 1991. ويبدو أن رحلة المهندس بالإعداد والتجهيز لملاحم البطولة قد شغلت تفكيره وأخذت حيزاً كبيراً من وقته وجهده. وتتحدث والدته التي كانت من أقرب الناس إليه حول التغير الذي لمسته في حياة يحيى بتلك الفترة، فتقول: «في السنة الأخيرة لدراسته الجامعية، كان يبدو دائماً ساهماً، واجماً، شارد الذهن، مطرق الرأس.. يبدو عليه الانشغال والتفكير.. أسأله: ما بك يا يحيى، فيجيب لا شيء. وعندما ألح عليه يقول: إنني مشغول بموضوع التخرج والعمل بعد أن أتخرج. وبعد تخرجه من الجامعة، كان يبدو دائماً غامضاً وفي حياته سر. ولم أعلم بأنه يخفي عليّ أنه يدبر لشيء ما».



ولأن حنان الأم يطغى في مثل هذه الحالات، وعاطفة الأب تقوده في اتخاذ القرارات، وبعد مداولات بين الوالدين، واعتقاداً منهما بأن ابنهما يمكن أن ينشغل في أمور الحياة الدنيا كغيره من أبناء جيله ويبتعد عما يمكن أن يشوش على تحصيله العلمي، قرر الوالد أن يغريه ببناء منزل مستقل ويزوجه إحدى قريباته. ويقول الشيخ عبد اللطيف متذكراً تلك اللحظات: «أثناء دراسة يحيى في الجامعة، ورغبة مني ترغيبه بالحياة، قمت بتشييد بيت له ووضعت الأساس وهو غائب عن المنزل. وعندما عاد من الجامعة وشاهد الأساسات، اعترض عليها وقال أنه يكتفي بغرفتين فقط ولا حاجة لبناء بيت كبير.. ثم خطبنا له عروساً وهي ابنة خالته، وفيما بعد اشتريت له حاسوباً وزوجته». ويشير الأب إلى أن قلقه على ابنه بدأ «بعد انتظام يحيى في دراسته، ففي السنة الدراسية الأولى في جامعة بيرزيت وقعت مظاهرات طلابية احتجاجاً على ممارسات الاحتلال مما أدى إلى استشهاد طالبين. وبعد استشهاد الشابين، وكان أحدهما صديقاً ليحيى، سارعت بالسفر إلى الجامعة رغم حظر التجول. وسرت مشياً على الأقدام لكي أصل إلى نور العين حتى التقيت بيحيى، فعانقته وقبلته كثيراً». تزوج المهندس ابنة خالته، هيام عياش، بتاريخ 9 أيلول (سبتمبر) من عام 1991م. ولكن، سرعان ما طرق زوار الفجر منزله، وأصبحت القوات الخاصة وأعتى رجال الأمن والمخابرات الصهاينة من رواد البيت. فمضى يحيى في طريق العزة والكرامة تاركاً وراءه زوجة وابناً أسماه (براء) تفتحت عيناه على الحياة في 1 كانون الثاني (يناير) 1993. ولم يلتم الشمل مرة أخرى، إلا بعد نحو عام ونصف حين نجح المهندس في تخطي جيش المخبرين وضباط الشاباك والوحدات الخاصة التي كانت تداهم المنزل باستمرار، وانتقلت هيام مع براء إلى قطاع غزة، لتعيش الزوجة مع زوجها، ويتعرف الابن على أبيه المجاهد. وقد رزق المهندس قبل استشهاده بيومين فقط، بابنه الثاني الذي أسماه (عبد اللطيف) تيمناً بوالده، غير أن العائلة أعادت اسم يحيى إلى البيت حين أطلقت على الطفل عبد اللطيف اسم (يحيى).


8- ابن كتائب عز الدين القسام

الشهادة الجامعية وبخاصة في فرع الهندسة التي تؤهل صاحبها للمناصب والوظيفة المرموقة، إلى جانب الاستقرار والزوجة والابن والمنزل والسيارة وغيرها من المغريات النفسية والحسية التي توفرت للشهيد يحيى عياش لم تنل ممن قرر أن يعمل في سبيل الله مجاهداً محتسباً الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى. فمضى المهندس بهدوء وبدون أضواء متفرغاً وبشكل كلي إلى الهدف الذي لم يغب عن وجدانه يوماً واحداً: أن يعود علمه وذكاءه وقدرته وعمله إلى فلسطين وأن تعود فلسطين إليه. وأنشغل الشهيد منذراً نفسه لله ثم لهذا الدين، واشتعلت فلسطين بعملياته المتميزة نوعاً وعدداً، وعندها أيقنت الدوائر الإسرائيلية من سياسية وعسكرية وأمنية بأن يحيى عياش ليس رجلاً فلسطينياً عادياً. وبكلمات تفيض فخراً واعتزازاً بيحيى، يتحدث الشيخ عبد اللطيف عن أهداف المهندس ومبتغاه، قائلاً: «الله سبحانه وتعالى يكرم الشهيد بأن يجعله خالداً في قلوب الناس، ولو أراد إنسان أن يفعل ذلك فلا تكفيه فلوس الدنيا كلها لينال هذا الحب والتكريم. ويحيى كان يعمل لله، وليس طمعاً في منصب أو دينار. وكنت أكرر عليه مراراً: هل تريد من وراء هذا العمل أن تصبح مشهوراً أو مهماً أو أن تصبح رئيساً مثلاً. فكان الله يرحمه، يجيب، أعوذ بالله، أنا أريد فقط أن أبقى مجاهداً في سبيل الله حتى استشهد».



بدايات المهندس مع العمل العسكري ترجع إلى أيام الانتفاضة الأولى، وعلى وجه التحديد عامي 1990 و 1991. فقد استقر لدى يحيى رأي ما لبث أن ترسخ لديه كقناعة وهدف، حيث بدأ يسعى لتحويل الحجر إلى قنبلة تنفجر في صدور المحتلين وتقض مضاجعهم. وبإلهام من الله سبحانه وتعالى وعون منه، توصل صاحب الحق إلى مخرج لمشكلة شح الإمكانات المتوفرة وندرة المواد المتفجرة، وذلك بتصنيع هذه المواد من المواد الكيماوية الأولية التي تتوفر بكثرة في الصيدليات ومحلات بيع الأدوية والمستحضرات الطبية. فكانت العملية الأولى بتجهيز السيارة المفخخة في رامات افعال بتل أبيب، وبدأت أثر ذلك المطاردة المتبادلة بين يحيى عياش ودولة الاحتلال وأجهزتها الأمنية والعسكرية.



قدر الله سبحانه وتعالى أن يكتشف العدو السيارة المفخخة في رامات افعال بطريق الصدفة، ويومها عرف خبراء المتفجرات الصهاينة أن عبقرية فذة في عمليات التفجير ستكون في مواجهتهم. وبعد تحقيق شديد وقاس مع المجاهدين اللذين اعتقلا أثر العثور على السيارة المفخخة، طبعت الشاباك اسم يحيى عبد اللطيف عياش في قائمة المطلوبين لديها للمرة الأولى. ولأن المجاهدين المعتقلين، لم يكونا على اطلاع بدور المهندس في تجهيز العملية والتخطيط لها، فإن ضباط الشاباك وضعوا اسم يحيى في المرتبة الخامسة من حيث الخطورة. ولذلك، داهمت قوات كبيرة من الجيش وحرس الحدود يرافقها ضباط ومحققين من الشاباك سلفيت وقراوة بني حسان بحثاً عن زاهر جبارين وعلى عاصي اعتقاداً بأن أحدهما قد نجح في التوصل إلى المعادلات الكيميائية المفزعة لهم.



وأما يحيى عياش، الذي عد نفسه مطارداً ومطلوباً لسلطات الاحتلال منذ ساعة اعتقال البطلين عماد عبد الرحيم وأحمد حسن، فإن الشاباك لم تكلف نفسها عناء تجهيز قوة لمداهمة قريته واعتقاله. ولعل اعترافات المجاهدين وملف يحيى في الإدارة المدنية وما يتوفر من معلومات لدى ضباط المخابرات أيام دراسته الجامعية أوحت للمحققين أنهم أمام شاب بسيط لا تتعدى تهمته توفير الخدمات أو تقديم المساعدة لكتائب الشهيد عز الدين القسام.



حين جلس يحيى يستعرض بهدوء شريط الأحداث التي أعقبت عثور جنود الاحتلال على السيارة التي أعدها، واستمرار عمليات المداهمة والتفتيش التي تركزت على المجاهدين الأربعة، زاهر وعلي وعدنان وعبد الفتاح، دون أن يبدو من سلطات الاحتلال وأجهزتها ما يدل على خططها تجاه المهندس، جمع الشهيد المعادلات المتوقعة وأخذ يقلب الاحتمالات الأرجح. وبعد تفكير عميق، وبفضل ذكاءه ورباطة جأشه، قرر المهندس أن يبادر بجس النبض عن طريق الإدارة المدنية الإسرائيلية في سلفيت. فطلب من خاله الذي يريد السفر إلى السعودية أن يقدم له طلباً لتصريح خروج إلى عمان موحياً لعائلته بأنه يريد مرافقة خاله للعمل هناك. وبعد يومين، ذهب الخال لإحضار التصاريح حيث تبين بأن الإدارة الإسرائيلية قد رفضت إعطاء الخال تصريح ابن أخته وطلبت أن يأتي يحيى بنفسه ليأخذه. ولكن المهندس رفض في اليوم التالي أن يذهب لمقر الإدارة المدنية، وطلب من والده أن يذهب بدلاً منه. وبعد مقابلة المسؤولين الإسرائيليين عاد الشيخ عبد اللطيف من سلفيت ومعه كتاب من المخابرات العامة (الشاباك) تطلب من يحيى الحضور، بزعم أن شخصاً قد اشتكى عليه ويجب أن يحضر إلى مقر الإدارة المدنية، وإذا لم يثبت عليه أي شيء، فإنهم -أي الإسرائيليين- سوف يعطونه التصريح ويعود إلى البيت.



وفي ظل إلحاح ومناشدة الوالد لابنه بالمثول أمام المحققين في مكاتب الإدارة المدنية الإسرائيلية، لثقته بأن يحيى لم يرتكب أي خطأ أو مخالفة يستحق عليها العقاب أو السجن. وبعد الضغط الشديد الذي تعرض له الشهيد القائد، يحسم المهندس أمره، ويقول لوالده مفصلاً موقفه بشكل حاسم: «إذا ذهبت إليهم، عمرك ما بتشوفني، لأني سأعيش بين أربع حيطان ولا تقدر على رؤيتي ولا أقدر على رؤيتك.... (ويصمت الشهيد برهة ثم يستأنف حديثه)... أنا لا أريد أن أخرج، أنا أريد أن أستشهد في وطني فلسطين». وقبل أن يغادر المهندس المنزل، عانق والده وشقيقيه ثم توجه نحو والدته مودعاً: «يا أماه، إما النصر أو الشهادة ولا ثالث لهما بإذن الله».



يعتبر يوم الأحد الموافق 25 نيسان (إبريل) من عام ،1993 بداية المطاردة الرسمية ليحيى عياش. ففي ذلك التاريخ، غادر المهندس منزله، ملتحقاً برفاق الجهاد والمقاومة، الذين كانوا يتخذون من كهوف ومغارات فلسطين قواعد انطلاق لهم في رحلاتهم المظفرة ضد جنود ودوريات الاحتلال. وفي مساء ذلك اليوم، داهمت قوات كبيرة من الجيش والمخابرات المنزل وقامت بتفتيشه والعبث بالأثاث وتحطيم بعض الممتلكات الشخصية للمهندس. وبعد أن أخذ ضباط الشاباك صورة الشهيد جواد أبو سلمية التي كان المهندس يحتفظ بها، توجه أحدهم لوالده مهدداً: «يجب على يحيى أن يسلم نفسه، وإلا فإنه سوف يموت، وسوف نهدم المنزل على رؤوسكم». وتواصلت المداهمات والاستفزازات من قبل جيش الاحتلال وأجهزته، بهدف إشاعة جو الخوف والرعب بين العائلة القروية، اعتقاداً بأن ذلك يؤثر في معنوياتهم ويثني المهندس عن مسيرته المباركة. ولكن هيهات لهم ذلك، فقد واصل المهندس طباعة عناوين المجد والحرية وأعاد للحياة الفلسطينية طعمها، وخلال ثلاث سنوات، كان الشهد لفلسطين والعلقم لبني صهيون. وخاب ظن سلطات الاحتلال وأجهزتها القمعية التي حصدت الفشل في مخططاتها، وتخبطت في رحلة البحث عن المهندس، بينما وقفت أم يحيى في فخر واعتزاز تواجه محققي الشاباك وجنود الاحتلال حيث نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية والتي رافقت قوات الجيش التي داهمت منزل العائلة بعد عملية البطل صالح صوي في تل أبيب عن أم المهندس: «لقد تركنا جميعاً دون أن نشبع منه وداس على الشهادة الجامعية.. منذ أن أصبح يحيى مطلوباً، فإنه لم يعد ابناً لي، إنه ابن كتائب عز الدين القسام».

ابو مصعب
01-05-2008, 09:27 AM
آخر رسالة من الشهيد



بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وقائد المجاهدين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أهلي الأعزاء، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..



أبعث لكم رسالتي سائلاً المولى- عزَّ وجل- أن تصلكم وأنتم في خير حال، وقد كتبتُ لكم هذه الرسالة كي أطمئنكم، و(ما دام) لم تسمعوا في الإذاعة (شيء) عني فإني بخير.



كم سررت عندما عرفتُ أنَّ معنوياتكم كانت عالية بعد استشهادِ الأخوين بشار وعلي؛ لأن ما (أصابهم) لا بدَّ (منه) أن يُصيبنا، والله (كتب) لهم الشهادة كي يستريحوا من عناءِ الدنيا، وأسأل الله ألا يحرمنا أجرهم، وألا يفتننا بعدهم، وأن يغفرَ لنا ولهم.



أبي العزيز.. أمي الحنونة.. كيف حالكم؟ لا تنسونا من دعائكم، وأن ترضوا عني وعن (إخوتي) مرعي ويونس و(أبلغوهم) سلامي الحار لهم.. وأسأل الله أن يُفرِّج عنهم وأن يفك أسرهم.



وأنتما يا أم البراء ويا أم راشد أيتها الصابرات المحتسبات، اصبرن واحتسبن أجركن عند الله تعالى، وأحسنَّ تربية الأولاد: براء وراشد وآلاء، وأحسنَّ معاملة أبي وأمي، ولا تتشاجرنَّ، وكُنَّ مثالاً للأخوات.



أهلي الأعزاء جميعًا قد تطول الفُرقة؛ فعليكم بالصبرِ والاحتساب، وأسأل الله أن أراكم قريبًا، وأنتم تعلمون صعوبة الظروف، ولن أدخر جهدًا كي أراكم.. اعذروني؛ فأنا لم أتعوَّد كتابة الرسائل، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابنكم يحيى


عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a> (عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>)

ابو مصعب
01-05-2008, 09:38 AM
قصيدة الشهيد الدكتور الرنتيسى فى رثاء الشهيد المهندس يحيى عياش


عيـاش حــيٌ لا تـقـل عـيـاش مــاتْأو هل يجف النيـل أو نهـر الفـرات

عيـاش شـمـسٌ والشـمـوس قليـلـةبشروقها تهدي الحيـاة إلـى الحيـاةْ

عيـاش يحـيـا فــي القـلـوب مـجـدداًفيهـا دمـاء الثـأر تعصـف بالطـغـاةْ

عـيـاش ملـحـمـة سـتـذكـر نظـمـهـاأجـيـال أمـتـنـا كـأغـلـى الـذكـريـاتْ

عـيــاش مـدرســة تـشــع حـضــارةًعيـاش جامـعـة البطـولـة والثـبـاتْ

يــــا ســعــد أم أرضـعـتــك لـبـانـهـافغـدت بيحيـى شامـةً فـي الأمـهـات

الـيـوم يــا يحـيـى ستـنـهـض أمـــةٌوتثور تنفض عن كواهلها السبـاتْ

ونـعـيـد ماضـيـنـا ويـهـتـف جـنـدنــاالـنـصــر لــلإســلام بـالـقـســام آتْ

فتصـيـح مــن دفء اللـقـاء ديـارنـاعـاد المهـادر مـن دياجيـر الشتـات

عـبــدت دربـــاً لـلـشـهـادة واســعــاًورسمت من آي الكتاب لـه سمـاتْ

وغـرسـت أجـسـاد الـرجـال قـنـابـلاًوكتبت من دمك الرعيف لنا عظات

فغـدت جمـوع البـغـي تـغـرق كلـمـادوى بيـانٌ: مـن هنـا عيـاش فــاتْ

وارتــــد بـأسـهــم شــديــداً بـيـنـهـموتفـرقـوا بـيــن الحـمـائـم والـغــلاة

هـذي الألـوف أبـا البـراء تعـاهـدتأن لا نجونا إن نجت عُصبُ الجنـاةْ

وتـآلـفـت مـنـهــا الـقـلــوب فـكـلـهـايـحـيـى فـويــلٌ للصهـايـنـة الـغــزاةْ

يـا ذا المسجـى فـي التـراب رفـاتـهمن لـي بمثلـك صانعـاً للمعجـزات؟

أنـعــم بـقـبـرٍ قــــد تـعـطــر جــوفــهإذ ضـم فــي أحشـائـه ذاك الـرفـاتْ

آن الأوان أبــــا الــبــراء لــراحــةفي صحبـة المختـار والغـر الدعـاةْ

أبـشــرْ فــــإن جـهـادنــا مـتـواصــلٌإنْ غــاب مـقـدامٌ ستخـلـفـه مـئــاتْ


صورة ابنا الشهيد يحيى عياش براء ويحيى

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a> (عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>)

مسلسل يحيى عياش

للتحميل اضغط هنا (عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>)





شريط عرس الشهيد يحيى عياش

ألحان وإشراف محمود أبو دجانة

عرس الشهيد يحيى عياش الوجه الأول(mp3)

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a> (عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>)

عرس الشهيد يحيى عياش الوجه الثاني(mp3)

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a> (عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>)







شريط صقر الكتائب يحيى عياش

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a> (عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا <a href="register.php">[ للتسجيل اضغط هنا ]</a>)

ابو مصعب
01-05-2008, 09:46 AM
جمعة الشهادة :

إنه يوم الجمعة الحزينة 15 شعبان 1416هـ الموافق الخامس من كانون الثاني يناير 1996م التي لم تكن كأي جمعة فما أن أذاع تلفزيون العدو نبأ الاغتيال فاهتزت فلسطين بكلّ أرجائها و دبّت قشعريرة و سرى شعور حزين و حاولت القلوب الفزعة أن تكذّب أو تشكّك ، و اهتزت الكلمات في الحناجر حين أعلنت حماس توقّف عقل الفتى العاشق و سكنت نبضات قلبه .
فبكى كلّ شيء في فلسطين حتى كاد طوفان الدمع أن يغرق شوارع غزة و حارات نابلس و طولكرم و الخليل . و مرّ ليل الجمعة الباكية ثقيلاً على الجبال و الوديان و الناس ، ينما سكنت الأمواج في انتظارٍ حزين ، و في الصباح تراكض الباحثون عن وطن نحو رافات يعانقون جدران منزل المهندس متوعّدين بالثأر و مؤمّنين على دعاء أم يحيى (قلبي و ربي راضين عليك) ، و كم تمنى أولئك لو أنهم تشرّفوا بتشييعه أو على الأقل مشاهدة وجهه أو ملامسة كفه فيتعلمون كيف يضرب و كيف يصنع لنا الحياة .
و يروي أسامة حماد صديق المهندس أيام الدراسة و الشاهد الوحيد على عملية الاغتيال حيث قال إن يحيى التجأ إليه قبل خمسة شهور من استشهاده حيث آواه في منزله دون أن يعلم أحد و كان كمال حماد و هو خال أسامة و يعمل مقاول بناء على صلة وثيقة بالمخابرات الصهيونية يلمّح لأسامة بإمكانية زيارة يحيى له في شركة المقاولات و إعطاه جهاز بيلفون لاستخدامه ، و كان كمال يأخذ جهاز البيلفون ليوم أو يومين ثم يعيده ، و قد اعتاد والد المهندس الاتصال مع يحيى عبر البيلفون و قد طلب منه يحيى مراراً الاتصال على الهاتف البيتي و قد اتفق يحيى مع والده على الاتصال به صباح الجمعة القادم على الهاتف البيتي ، و في صباح الجمعة الخامس من يناير 1996 اتصل كمال حماد بأسامة و طلب منه فتح الهاتف المتنقل لأنه يريد الاتصال من الكيان و اتضح أن خط هاتف البيت مقطوع ، و في الساعة التاسعة صباحاً اتصل والد يحيى على الهاتف المتنقل الذي أبلغ أسامة أنه لم يستطع الاتصال على الهاتف البيتي و استلم المهندس الهاتف و قال لوالده : "يا أبي لا تظل تتصل على البيلفون" ، حينها دوّى الانفجار من الهاتف و سقط المهندس ، و اللحم يتناثر و الزجاج يتحطّم و بقع الدم تتناثر و يتضح أن عبوة ناسفة تزن 50 غراماً انفجرت في الهاتف النقال ، ليستريح المقاتل الصلب بعد سنوات الجهاد و يصعد إلى العلا و المجد يلتقي هناك بالنبيين و الصديقين و الشهداء بإذن الله . و ما إن انتشر خبر استشهاد المهندس حتى ساد في أنحاء فلسطين خاصة و العالم الإسلامي عامة حالة من عدم الاستقرار و خرجت الآلاف في شوارع قطاع غزة و فلسطين يهيمون على وجوههم بغير وعي و أعلنت سلطات الاحتلال حالة الطوارئ و أغلقت الضفة و غزة و نشرت قوات معزّزة و لم تخفِ فرحتها العظمى بهذا الخبر حيث صرّح يعقوب بيري رئيس المخابرات السابق بالقول : "موت عياش وضع حداً لأخطر و أعنف المحاربين الذين عرفناهم" .. فيما صرّح موشيه شاحك وزير الأمن الداخلي بالقول : "بتنا نتنفس بشكلٍ أفضل بعد إعلان موته" .
و خرجت جماهير غزة الأبية في مسيرة لم تشهد لها فلسطين مثيلاً لتشييع المهندس و صار الشعب كله يحيى ، و صار يحيى الشعب كلّه فعظمة الشهادة و الإنجاز أبت أن يكون المهندس ابن رافات وحدها و لا ابن حماس دون غيرها ، فكما كان عمله و حياته لكلّ فلسطين من بحرها لنهرها جاء استشهاده ليملأ كل فلسطين بالأمل و الرجاء ، تماماً كالبرق سطوعاً ليست انطفاءته إلا ميلاداً للحياة .
إن التجاوب الشعبي المدهش الذي ولده استشهاد المهندس يؤكّد أكثر من معنى و يشير إلى أكثر من دلالة ، فهو :
أولاً : استفتاء عفوي بأن خيار الجهاد و المقاومة لا يزال في قلوب أبناء فلسطين .
ثانياً : أثبت الشعب الفلسطيني بأن من يعطي فلسطين بإخلاص و أمانة كعماد عقل و يحيى عياش و عوض سلمي و صلاح شحادة و محمود أبو الهنود و غيرهم يجد صدى أفعاله لدى الجماهير مجسّداً في تشييع عماد و يحيى و صلاح .
ثالثاً : إن كرة اللهب البشرية التي اندفعت لوداع المهندس هي في إحدى صورها تعبير صريح عن حالة الغضب و مشاعر الاحتقان التي يكنها الفلسطينيون لعدوهم رغم كل الاتفاقات و الترويج لحالة الصداقة الجديدة التي كشفت زيفها انتفاضة الأقصى المباركة .

معالم و عبر :

و لعلّ سيرة الشهيد المهندس و حياته و استشهاده تقودنا إلى الكثير من العبر و العظات ، أهمها :

أولاً : قاعدة عقائدية و إيمانية :
البيئة العقائدية و الإيمان الراسخ في أعماق النفس البشرية هي التي تبدع و تفرز ظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل الله و من خلال تجذّر هذه الأصول و صلابة حاملها تنفجر مدخرات الطاقة في خلايا الجسم ، و يتألّق كلّ ما أودعه الخالق سبحانه و تعالى في هذه النفس من خلق و تجرد و إخلاص و صدق و توكل و غيرها من خصائص الشهادة و معاني البقاء و الاقتداء .
و لئن غادرنا المهندس بعد نجاحه في الوصول إلى قمة هرم الصاعدين و انتصاره في مسيرته الحياتية نحو الخلود فإننا ما زلنا نمتلك التمسك بمبادئه و ثوابته و تجربته التاريخية الزاخرة بمدلولات تبشّر بدروس من السهل الاقتداء بها و تقليد العملاق الخالد على أرض فلسطين و تكرار مسيرته و التبشير بقدرات الأمة على إنجاب العظماء و صنع المستقبل المشرق .. و نستطيع أن نورد إضاءات من القاعدة العقائدية و الإيمانية التي حملت أعمدة العملاق الخالد لتكون ألوية رشد و هداية يقتدي بها السائرون .
- امتزاج الورع و التقوى بصفاء الروح و بساطة النفس إذ إن يحيى كان ملتزماً و مطيعاً لله فيما أمر به أو نهى عنه ، و هذا المفهوم لمعنى التديّن ظهر عند المهندس من خلال إكثاره من قراءة القرآن الكريم و تلاوته و حفظه و من هنا يظهر لنا سبب إصراره بعناده و إقدامه الذي لم يعرف التردد في مسيرة الجهاد رغم تفوق العدو و قسوته .
- الجدية في الحياة و صلة الرحم و حب الناس و أداء الواجب و هذا لا يعنى أن الشهيد لم يكن صاحب مزاح أو مرح نظيف و إنما كان يتجنب الصخب و يبتعد عن الأجواء الملوثة .
- توجيه و تكريس الحياة الدنيا لعمل الخير و اعتبار ذلك وسيلة لبلوغ رضوان الله ، و من هنا كان عطوفاً على الناس يقدّم المساعدة التي يقدر عليها لكل من يلجأ إليه .
- التسامح سمة من سمات المهندس في علاقاته سواء في البيت أو القرية أو الجامعة إذا كان يسامح من يسيء له و لم يحمل حقداً على أحد حتى لو أساء إليه .
- الهدوء و الاتزان و عمق التفكير و كأنه كان يحلّق في آفاق البحث عن رضوان الله مما ساقه إلى مبتغاه مع الأنبياء و الصديقين و الشهداء .
- لم يكن للذاته نصيب من الدنيا و متاعها إذ عرف عنه عفّة اليد و الزهد لا يبتغي سوى مرضاة الله و عندما قامت الحركة بإرسال مبلغٍ من المال لإعانته على شئون عائلته أرسل إلى قيادته معاتباً : "بالنسبة للمبلغ الذي أرسلتموه فهل هو أجر لما أقوم به ؟ إن أجري على الله أسأله أن يتقبّل منا فإن هدفي ليس مادياً و لو كان كذلك لما اخترت هذا الطريق ، فلا تهتموا بي كثيراً و اهتموا بأسر الشهداء و المعتقلين فهم أولى مني و من أهلي" .
و لأنه لا يريد سوى مرضاة الله و جنته فقد عمل الشهيد البطل بصمتٍ في الخفاء مستعلياً على شهوات النفس و الأضواء و وسائل الإعلام مما زاد في قدرته على المواجهة و إفشال عمليات الاستفزاز و الاستدراج . و كلّ ذلك يفصح عن وعي عميق بطبيعة المعركة و متطلباتها و عن التجرد و الإخلاص للهدف و القضية ، و لئن أحبّ يحيى العمل الجهادي بطريقة عاصفة ملكت عليه كل جوارحه مؤثراً أن تتحدث عنه أعماله لا أقواله باعتبار أنه يمثل حركة و تاريخاً و ليس نفسه فقط إلا أنه لم يكن يحب تضخيم الأمور و دوره و يرجع الفضل دائماً إلى ربّ العزة سبحانه مردداً و بشكلٍ دائم الآية الكريمة : "و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى" .

ثانياً : السرية و الكتمان :
يعدّ هذا الأمر من الأمور البدهية في حياة المهندس و أبجدية مهمة من أبجديات العمل استهداء بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" ، فقد عمل المهندس و كتائب الشهيد عز الدين القسام بطريقة سرية منظمة جعلت من مخططات أجهزة الأمن و الاستخبارات الصهيونية لاختراق بنية الجهاز العسكري و محاولات رصد عملياته قبل وقوعها أمراً في غاية الصعوبة . فالجهاد مرصود و إجهاضه استراتيجية صهيونية و عالمية خاصة بعد أن أصبح الإسلام هو العدو الأول لمعسكر النظام العالمي الجديد أو "الأجد" ، و أدواته في حالة الشهيد القائد تتجاوز طبيعة السرية و الكتمان الحدث الطارئ أو الحاجة الآنية لتصبح خلقاً راسخاً و عادة متمكّنة .

ثالثاً : التخلّص من أعين الأعداء :
إن براعة المهندس الفائقة "بفضل الله و رعايته" في مواجهة مطارديه و عبقريته في التخفّي و المراوغة و الإفلات من الكمائن التي كانت تنصب له من قبل عدة آلاف من جنود الوحدات الخاصة المختارة من الجيش الصهيوني و قوات حرس الحدود و الشرطة بالإضافة إلى عدة مئات من أفراد جهاز المخابرات العامة الشاباك و وحدات استخبارية عسكرية خاصة كلّفت بالمشاركة في أوسع حملة مطاردة تنظّمها الدولة العبرية في تاريخها جعلت ملاحقيه يطلقون عليه لقب "العبقري" و "كارلوس الثعلب" و "الرجل ذو ألف وجه" ، و ينسبون إليه صفات الرجل المقدّس و الإنسان الذي يمتلك سبعة أرواح و من يرى و لا يُرى و هي أمور حاولت أجهزة الأمن و الاستخبارات الصهيونية إخفاء عجزها وراءها ، فقد بحثت سلطات الاحتلال عن المهندس طوال أربع سنوات و خلال تلك المدة استمر القائد في عملياته بدون توقّف أو هدوء فجنّد الخلية تلو الأخرى و بعث فيها روح المبادرة و النشاط بعد كلّ ضربة كان الصهاينة يوجّهونها للمجموعات الجهادية و بعد كلّ عملية تعترف سلطات الاحتلال بأن حتى أخباره تختفي اختفاء متقناً مما أصاب قيادة الشاباك في حيرة إزاء لغز المهندس .
و إن نجاح المهندس في الوصول إلى قطاع غزة يعتبر في حد ذاته ضربة قاسية للكيان الصهيوني جعلت إسحاق رابين في اجتماع القيادة المشتركة للأجهزة الأمنية الصهيونية يضرب الطاولة بغضبٍ شديد مطالباً بتفسيرات واضحة حول الكيفية التي استطاع المهندس خلالها أن يتجاوز آلاف المخبرين الصهاينة الذين كانوا يطاردونه و تضليل أجهزة الأمن الصهيونية .

رابعاً : جهاد .. نصر أو استشهاد :
البعد الآخر في شخصية يحيى عياش أو المهندس يتمثّل في إصراره على مواصلة العمل و النشاط و استعداده الدائم للاستشهاد و الموت في سبيل الله و رفض الخروج أو الهرب خارج فلسطين المحتلة على الرغم من إمكانية ذلك ، فالرجل الذي أرعب قيادات الاحتلال و جنوده و مستوطنيه و جعلهم يحفظون صورته عن ظهر قلب و يعلّقونها في مكاتبهم ، كان يدرك أن لكلّ أجلٍ كتاب و كان هذا الإدراك بمثابة زادٍ لهذا المؤمن المجاهد على مواصلة الجهاد و توريث خبرته و علمه لإخوانه ، و لهذا كان وجه يحيى يحمرّ غضباً حين يحدّثه إخوانه عن مغادرة الوطن لفترة و يردّ عليهم "مستحيل فقد نذرت نفسي لله ثم لهذا الدين إما نصر أو استشهاد ، إن الحرب ضد الكيان الصهيوني يجب أن تستمر إلى أن يخرج اليهود من كلّ أرضِ فلسطين" .

كابوس يهدد دولة



تحوَّل المهندس بعملياته الاستشهادية إلى كابوس يهدد أمن الدولة العبرية وأفراد جيشها الذي يدِّعي أنه لا يُقهر بل وقادته أيضًا؛ حيث بلغ الهوس الإسرائيلي ذروته حين قال رئيس وزراء الكيان الصهيوني آنذاك إسحق رابين: "أخشى أن يكون عياش جالسًا بيننا في الكنيست". وقوله أيضًا: "لا أشك أن المهندس يمتلك قدرات خارقة لا يملكها غيره، وإن استمرار وجوده طليقًا يمثل خطرًا واضحًا على أمن إسرائيل واستقرارها".
ولا يعتبر كثير من الباحثين الإسرائيليين أن يحيى نبتٌ منفردٌ، لكنه وليد محضن تربوي ونسق فكري، وهو ما حدا بأحدهم أن يصرِّح: "إن المشكلة في البيئة العقائدية الأصولية التي يتنفس المهندس من رئتها؛ فهي التي تفرز ظاهرة المهندس وظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل عقيدتهم".
أما "موشيه شاحاك" وزير الأمن الداخلي الصهيوني السابق فقد قال: "لا أستطيع أن أصف المهندس يحيى عيَّاش إلا بالمعجزة؛ فدولة إسرائيل بكافة أجهزتها لا تستطيع أن تضع حدًّا لعملياته التخريبية".
كما كتبت الصحف العبرية عن مواصفاته، ونشرت عدة صور مختلفة له لتحذر الشعب الصهيوني منه تحت عنوان رئيسي "اعرف عدوك رقم 1 .. يحيى عيَّاش".

إسلام
01-18-2008, 01:49 AM
موضوع متميز جدا بارك الله فيك

ابو مصعب
01-19-2008, 02:50 PM
تشكر اخي الكريم اسلام على مرورك بارك الله فيك